وَخُصَّ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ بِقَضِّهِمْ وَقَضِيضِهِمْ مِنْ نَسْلِهِمْ.
وَلَمْ يَنْصَرِفْ عِمْرَانُ لِأَنَّ فِي آخِرِهِ أَلِفًا وَنُونًا زَائِدَتَيْنِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (عَلَى الْعالَمِينَ) أَيْ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ، فِي قَوْلِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: جَمِيعُ الْخَلْقِ كُلُّهُمْ.
وَقِيلَ (عَلَى الْعالَمِينَ) : عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ إِلَى يَوْمِ الصُّورِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ رُسُلٌ وَأَنْبِيَاءُ فَهُمْ صَفْوَةُ الْخَلْقِ، فَأَمَّا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ جَازَتْ مَرْتَبَتُهُ الِاصْطِفَاءَ لِأَنَّهُ حَبِيبٌ وَرَحْمَةٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) فَالرُّسُلُ خُلِقُوا لِلرَّحْمَةِ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُلِقَ بِنَفْسِهِ رَحْمَةً، فَلِذَلِكَ صَارَ أَمَانًا لِلْخَلْقِ، لَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ أَمِنَ الْخَلْقُ الْعَذَابَ إِلَى نَفْخَةِ الصُّورِ.
وَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَحِلُّوا هَذَا الْمَحَلَّ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ) يُخْبِرُ أَنَّهُ بِنَفْسِهِ رَحْمَةٌ لِلْخَلْقِ مِنَ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ (مُهْدَاةٌ) أَيْ هَدِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ.
وَيُقَالُ: اخْتَارَ آدَمَ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدِهِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ بِقُدْرَتِهِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وَالثَّالِثُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِأَنْ يَسْجُدُوا لَهُ، وَالرَّابِعُ أَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ، وَالْخَامِسُ جَعَلَهُ أَبَا الْبَشَرِ.
وَاخْتَارَ نُوحًا بخمسة أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنَّهُ جَعَلَهُ أَبَا الْبَشَرِ، لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ غَرِقُوا وَصَارَ ذُرِّيَّتُهُ هُمُ الْبَاقِينَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ أَطَالَ عُمْرَهُ، وَيُقَالُ: طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ اسْتَجَابَ دُعَاءَهُ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالرَّابِعُ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى السَّفِينَةِ، وَالْخَامِسُ أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ نَسَخَ الشَّرَائِعَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ تَزْوِيجُ الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ.
وَاخْتَارَ إِبْرَاهِيمَ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنَّهُ جَعَلَهُ أَبَا الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ صُلْبِهِ أَلْفُ نَبِيٍّ مِنْ زَمَانِهِ إِلَى زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ أَنْجَاهُ مِنَ النَّارِ، وَالرَّابِعُ أَنَّهُ جَعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ، وَالْخَامِسُ أَنَّهُ ابْتَلَاهُ بِالْكَلِمَاتِ فَوَفَّقَهُ حَتَّى أَتَمَّهُنَّ.
ثُمَّ قَالَ: (وَآلَ عِمْرانَ) فَإِنْ كَانَ عِمْرَانُ أَبَا مُوسَى وَهَارُونَ فَإِنَّمَا اخْتَارَهُمَا عَلَى الْعَالَمِينَ حَيْثُ بَعَثَ عَلَى قَوْمِهِ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْعَالَمِ.
وَإِنْ كَانَ أَبَا مَرْيَمَ فَإِنَّهُ اصْطَفَى لَهُ مَرْيَمَ بِوِلَادَةِ عِيسَى بِغَيْرِ أَبٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ فِي الْعَالَمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.