قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا)
خَصَّ الْبُطُونَ بِالذِّكْرِ لِتَبْيِينِ نَقْصِهِمْ، وَالتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِضِدِّ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
وَسَمَّى الْمَأْكُولَ نَارًا بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) أَيْ عِنَبًا.
وَقِيلَ: نَارًا أَيْ حَرَامًا، لِأَنَّ الْحَرَامَ يُوجِبُ النَّارَ، فَسَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِاسْمِهِ.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ: (رَأَيْتُ قَوْمًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ بِمَشَافِرِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْرًا مِنْ نَارٍ يَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ قَالَ هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) .
فَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ أَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ مِنَ الْكَبَائِرِ.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ) وَذَكَرَ فِيهَا (وَأَكْلَ مال اليتيم) .
* وَهَذِهِ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ الْوَعِيدِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِمَنْ يُكَفِّرُ بِالذُّنُوبِ.
وَالَّذِي يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ ذَلِكَ نَافِذٌ عَلَى بَعْضِ الْعُصَاةِ فَيَصْلَى ثُمَّ يَحْتَرِقُ وَيَمُوتُ، بِخِلَافِ أَهْلِ النَّارِ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، فَكَأَنَّ هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِئَلَّا يَقَعَ الْخَبَرُ فِيهِمَا عَلَى خِلَافِ مَخْبَرِهِ، سَاقِطٌ بِالْمَشِيئَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) .
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَمَّا أَهْلُ النار الذين هم أهلها فيها فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ - فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أذن بالشفاعة فجيء بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فينبتون كما تنبت الحبة فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) .
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ يَرْعَى بالبادية.