فهرس الكتاب

الصفحة 710 من 1768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي)

هَذَا مَجَازٌ لِأَنَّهَا مَوَاتٌ.

وَقِيلَ: جُعِلَ فِيهَا مَا تُمَيِّزُ بِهِ.

وَالَّذِي قَالَ إِنَّهُ مَجَازٌ قَالَ: لَوْ فُتِّشَ كَلَامُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ مَا وُجِدَ فِيهِ مِثْلَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى حُسْنِ نَظْمِهَا، وَبَلَاغَةِ رَصْفِهَا، وَاشْتِمَالِ الْمَعَانِي فِيهَا.

وَفِي الْأَثَرِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يخلي الأرض من مطر عام أَوْ عَامَيْنِ، وَأَنَّهُ مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٌ قَطُّ إِلَّا بِحِفْظِ مَلَكٍ مُوَكَّلٍ بِهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَاءِ الطُّوفَانِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ مَا لَا يَحْفَظُهُ الْمَلَكُ.

وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ) [الحاقة: 11] فَجَرَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ إِلَى أَنْ تَنَاهَى الْأَمْرُ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَاءَ الْمُنْهَمِرَ مِنَ السَّمَاءِ بِالْإِمْسَاكِ، وَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ بِالِابْتِلَاعِ.

وَيُقَالُ: بَلَعَ الْمَاءَ يَبْلَعُهُ مِثْلُ مَنَعَ يَمْنَعُ وَبَلِعَ يَبْلَعُ مِثْلُ حَمِدَ وَيَحْمَدُ، لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ.

وَالْبَالُوعَةُ

الْمَوْضِعُ الَّذِي يَشْرَبُ الْمَاءَ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْتَقَى الْمَاءَانِ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَمَرَ اللَّهُ مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ بِالْإِقْلَاعِ، فَلَمْ تَمْتَصَّ الْأَرْضُ مِنْهُ قَطْرَةً، وَأَمَرَ الْأَرْضَ بِابْتِلَاعٍ مَا خَرَجَ مِنْهَا فَقَطْ.

وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ)

وَقِيلَ: مَيَّزَ اللَّهُ بَيْنَ الْمَاءَيْنِ، فَمَا كَانَ مِنْ مَاءِ الْأَرْضِ أَمَرَهَا فَبَلَعَتْهُ، وَصَارَ مَاءُ السَّمَاءِ بِحَارًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَغِيضَ الْماءُ) أَيْ نَقَصَ، يُقَالُ: غَاضَ الشَّيْءُ وَغِضْتُهُ أَنَا، كَمَا يُقَالُ: نَقَصَ بِنَفْسِهِ وَنَقَصَهُ غَيْرُهُ، وَيَجُوزُ (غِيضَ) بِضَمِّ الْغَيْنِ.

(وَقُضِيَ الْأَمْرُ) أَيْ أُحْكِمَ وَفُرِغَ مِنْهُ، يَعْنِي أُهْلِكَ قَوْمُ نُوحٍ عَلَى تَمَامٍ وَإِحْكَامٍ.

وَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْقَمَ أَرْحَامَهُمْ أَيْ أَرْحَامَ نِسَائِهِمْ قَبْلَ الْغَرَقِ بِأَرْبَعِينَ سَنَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ فِيمَنْ هَلَكَ صَغِيرٌ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَهْلَكَ الْوِلْدَانَ بِالطُّوفَانِ، كَمَا هَلَكَتِ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ.

وَلَمْ يَكُنِ الْغَرَقُ عُقُوبَةً لِلصِّبْيَانِ وَالْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ، بَلْ مَاتُوا بِآجَالِهِمْ.

وَحُكِيَ أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ الْمَاءُ فِي السِّكَكِ خَشِيَتْ أُمُّ صَبِيٍّ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَخَرَجَتْ بِهِ إِلَى الْجَبَلِ، حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَهُ، فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ خَرَجَتْ حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ اسْتَوَتْ عَلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاءُ رَقَبَتَهَا رَفَعَتْ يَدَيْهَا بِابْنِهَا حَتَّى ذَهَبَ بِهَا الْمَاءُ، فَلَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أَيْ هَلَاكًا لَهُمْ.

الْجُودِيُّ جَبَلٌ بِقُرْبِ الْمَوْصِلِ، اسْتَوَتْ عَلَيْهِ فِي الْعَاشِرِ مِنَ الْمُحَرَّمِ يَوْمَ عاشوراء، فصام نُوحٌ وَأَمَرَ جَمِيعَ مَنْ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ وَالْوَحْشِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرَهَا فَصَامُوهُ، شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى.

وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ.

وَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى الْجِبَالِ أَنَّ السَّفِينَةَ تُرْسَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا فَتَطَاوَلَتْ، وَبَقِيَ الْجُودِيُّ لَمْ يَتَطَاوَلْ تَوَاضُعًا لِلَّهِ، فَاسْتَوَتِ السَّفِينَةُ عَلَيْهِ: وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ أَعْوَادُهَا.

وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لقد بقي منها شيء أَدْرَكَهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ) .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَشَامَخَتِ الجبال وتطاولت لئلا ينالها

الْغَرَقُ، فَعَلَا الْمَاءُ فَوْقَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَتَطَامَنَ الْجُودِيُّ، وَتَوَاضَعَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَغْرَقْ، وَرَسَتِ السَّفِينَةُ عَلَيْهِ.

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْجُودِيَّ اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:

سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا يَعُودُ لَهُ ... وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجَمَدُ

وَيُقَالُ: إِنَّ الْجُودِيَّ مِنْ جِبَالِ الْجَنَّةِ، فَلِهَذَا اسْتَوَتْ عَلَيْهِ.

وَيُقَالُ: أَكْرَمَ اللَّهُ ثَلَاثَةَ جِبَالٍ بِثَلَاثَةِ نَفَرٍ: الْجُودِيَّ بِنُوحٍ، وَطُورَ سَيْنَاءَ بِمُوسَى، وَحِرَاءَ بِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت