فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 1768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)

الْبِرُّ هَا هُنَا اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: 82] ، (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) [البقرة: 93] قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَقُطْرُبٌ وَالزَّجَّاجُ.

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ

أَيْ ذَاتُ إِقْبَالٍ وَذَاتُ إِدْبَارٍ.

وَقَالَ النَّابِغَةُ:

وَكَيْفَ تُوَاصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ ... خِلَالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ

أَيْ كَخِلَالَةِ أَبِي مَرْحَبٍ، فَحَذَفَ.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) [آل عمران: 163] أَيْ ذَوُو دَرَجَاتٍ.

وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَفُرِضَتِ الْفَرَائِضُ وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَحُدَّتِ الْحُدُودُ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: لَيْسَ الْبِرَّ كُلَّهُ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ - أَيْ ذَا الْبِرِّ - مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، إِلَى آخِرِهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَعَطَاءٌ وَسُفْيَانُ وَالزَّجَّاجُ أَيْضًا.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (الْبِرَّ) بِمَعْنَى الْبَارِّ وَالْبَرِّ، وَالْفَاعِلُ قَدْ يُسَمَّى بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، وَصَوْمٌ وَفِطْرٌ.

وَفِي التَّنْزِيلِ: (إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا) [الملك: 30] أَيْ غَائِرًا، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدَةَ.

وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: لَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ لَقَرَأْتُ (وَلكِنَّ الْبِرَّ) بِفَتْحِ الْبَاءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت