قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)
الْبِرُّ هَا هُنَا اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: 82] ، (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) [البقرة: 93] قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَقُطْرُبٌ وَالزَّجَّاجُ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ
أَيْ ذَاتُ إِقْبَالٍ وَذَاتُ إِدْبَارٍ.
وَقَالَ النَّابِغَةُ:
وَكَيْفَ تُوَاصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ ... خِلَالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ
أَيْ كَخِلَالَةِ أَبِي مَرْحَبٍ، فَحَذَفَ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) [آل عمران: 163] أَيْ ذَوُو دَرَجَاتٍ.
وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَفُرِضَتِ الْفَرَائِضُ وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَحُدَّتِ الْحُدُودُ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: لَيْسَ الْبِرَّ كُلَّهُ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ - أَيْ ذَا الْبِرِّ - مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، إِلَى آخِرِهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَعَطَاءٌ وَسُفْيَانُ وَالزَّجَّاجُ أَيْضًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (الْبِرَّ) بِمَعْنَى الْبَارِّ وَالْبَرِّ، وَالْفَاعِلُ قَدْ يُسَمَّى بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، وَصَوْمٌ وَفِطْرٌ.
وَفِي التَّنْزِيلِ: (إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا) [الملك: 30] أَيْ غَائِرًا، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدَةَ.
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: لَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ لَقَرَأْتُ (وَلكِنَّ الْبِرَّ) بِفَتْحِ الْبَاءِ.