فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 1768

قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)

أَيْ لَا تَحْمِلُ حَامِلَةُ ثِقَلٍ أُخْرَى، أَيْ لَا تُؤْخَذُ نَفْسٌ بِذَنْبِ غَيْرِهَا، بَلْ كُلُّ نَفْسٍ مَأْخُوذَةٌ بِجُرْمِهَا وَمُعَاقَبَةٌ بِإِثْمِهَا.

وَأَصْلُ الْوِزْرِ الثِّقَلُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ) .

وَهُوَ هُنَا الذَّنْبُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ) .

وَقَدْ تَقَدَّمَ.

وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ المغيرة، كان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ رَدًّا عَلَى الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ مُؤَاخَذَةِ الرَّجُلِ بِأَبِيهِ وَبِابْنِهِ وَبِجَرِيرَةِ حَلِيفِهِ.

قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَكَذَلِكَ الَّتِي قَبْلَهَا، فَأَمَّا الَّتِي فِي الدُّنْيَا فَقَدْ يُؤَاخَذُ فِيهَا بَعْضُهُمْ بِجُرْمِ بَعْضٍ، لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَنْهَ الطَّائِعُونَ الْعَاصِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ في حديث أبي بكر في قول: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) .

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) . (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) .

وَقَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: (نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ) .

قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ أَوْلَادُ الزِّنَى.

وَالْخَبَثُ (بِفَتْحِ الْبَاءِ) اسْمٌ لِلزِّنَى.

فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ حَتَّى لَا يُطَلَّ دَمُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ تَعْظِيمًا لِلدِّمَاءِ.

وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بينهم في ذلك، فَدَلَّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.

وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الدُّنْيَا، فِي أَلَّا يُؤَاخَذَ زَيْدٌ بِفِعْلِ عَمْرٍو، وَأَنَّ كُلَّ مُبَاشِرٍ لِجَرِيمَةٍ فَعَلَيْهِ مَغَبَّتُهَا.

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ، انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي: (ابْنُكَ هَذَا) ؟ قَالَ: أَيْ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.

قَالَ: (حَقًّا) .

قَالَ: أَشْهَدُ بِهِ.

قَالَ: فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَاحِكًا مِنْ ثَبْتِ شَبَهِي فِي أَبِي، وَمِنْ حَلِفِ أَبِي عَلَيَّ.

ثُمَّ قَالَ: (أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ) .

وَقَرَأَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) .

وَلَا يُعَارَضُ مَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) ، فَإِنَّ هَذَا مُبَيَّنٌ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ: (لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) .

فَمَنْ كَانَ إِمَامًا فِي الضَّلَالَةِ وَدَعَا إِلَيْهَا وَاتُّبِعَ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَحْمِلُ وِزْرَ مَنْ أَضَلَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ وِزْرِ المضل شيء، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت