قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ(38)
(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) أَيْ وَطَفِقَ يَصْنَعُ.
قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: مَكَثَ نُوحٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةَ سَنَةٍ يَغْرِسُ الشَّجَرَ وَيَقْطَعُهَا وَيُيَبِّسُهَا، وَمِائَةَ سَنَةٍ يَعْمَلُهَا.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنِ ابْنِ أَشْرَسَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: بلغني أن قوم نوح ملوا الأرض، حتى ملوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ، فَمَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَنْزِلُوا إِلَى هَؤُلَاءِ، وَلَا هَؤُلَاءِ أَنْ يَصْعَدُوا إِلَى هَؤُلَاءِ فَمَكَثَ نُوحٌ يَغْرِسُ الشَّجَرَ مِائَةَ عَامٍ لِعَمَلِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ جَمَعَهَا يُيَبِّسُهَا مِائَةَ عَامٍ، وَقَوْمُهُ يَسْخَرُونَ، وَذَلِكَ لِمَا رَأَوْهُ يَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى كَانَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ فِيهِمْ مَا كَانَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: عَمِلَ نُوحٌ سَفِينَتَهُ بِبِقَاعِ دِمَشْقَ، وَقَطَعَ خَشَبَهَا مِنْ جَبَلِ لُبْنَانَ.
وَقَالَ، الْقَاضِي أَبُو بكر بن العرابي: لَمَّا اسْتَنْقَذَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنْ فِي الْأَصْلَابِ وَالْأَرْحَامِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ.
(أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ) قَالَ: يَا رَبِّ مَا أَنَا بِنَجَّارٍ، قَالَ: (بَلَى فَإِنَّ ذَلِكَ بِعَيْنِي) فَأَخَذَ الْقَدُومَ فَجَعَلَهُ بِيَدِهِ، وَجَعَلَتْ يَدَهُ لَا تُخْطِئُ، فَجَعَلُوا يَمُرُّونَ بِهِ وَيَقُولُونَ: هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ صَارَ نَجَّارًا، فَعَمِلَهَا فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ وَأَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اتَّخَذَ نُوحٌ السَّفِينَةَ فِي سَنَتَيْنِ.
زَادَ الثَّعْلَبِيُّ: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الْفُلْكِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعْهَا كَجُؤْجُؤِ الطَّائِرِ.
وَقَالَ كَعْبٌ: بَنَاهَا فِي ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَهْدَوِيُّ: وَجَاءَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَصْنَعُهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي طُولِهَا وَعَرْضِهَا، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ طُولُهَا ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا خَمْسُونَ، وَسُمْكُهَا ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا، وَكَانَتْ مِنْ خَشَبِ السَّاجِ.
وَكَذَا قَالَ الْكَلْبِيُّ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ كَانَ طولها ثلاثمائة ذراع، والذراع إلى المنكب.
قال سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِنَّ طُولَ السَّفِينَةِ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا سِتُّمِائَةِ ذِرَاعٍ.
وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي كِتَابِ الْعَرَائِسِ.
وَرَوَى عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَوْ بَعَثْتَ لَنَا رَجُلًا شَهِدَ السَّفِينَةَ يُحَدِّثُنَا عَنْهَا، فَانْطَلَقَ بِهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى كَثِيبٍ مِنْ تُرَابٍ فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ، قَالَ أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: هَذَا كَعْبُ حَامِ بْنِ نُوحٍ قَالَ فَضَرَبَ الْكَثِيبَ بِعَصَاهُ وَقَالَ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يَنْفُضُ التُّرَابَ مِنْ رَأْسِهِ، وَقَدْ شَابَ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَهَكَذَا هَلَكْتَ؟ قَالَ: لَا بَلْ مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها السا فَمِنْ ثَمَّ شِبْتُ.
قَالَ: أَخْبِرْنَا عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ؟ قَالَ: كَانَ طُولُهَا أَلْفَ ذِرَاعٍ وَمِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا سِتُّمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَكَانَتْ ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ، طَبَقَةٌ فِيهَا الدَّوَابُّ وَالْوَحْشُ، وَطَبَقَةٌ فِيهَا الْإِنْسُ، وَطَبَقَةٌ فِيهَا الطَّيْرُ.
وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ فِيمَا حَكَاهُ النَّقَّاشُ: وَدَخَلَ الْمَاءُ فِيهَا أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ، وَكَانَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ، بَابٌ فِيهِ السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ، وَبَابٌ فِيهِ الْوَحْشُ، وَبَابٌ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ.
ابْنُ عَبَّاسٍ جَعَلَهَا ثَلَاثَ بُطُونٍ، الْبَطْنُ الْأَسْفَلُ لِلْوُحُوشِ وَالسِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ، وَالْأَوْسَطُ لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَرَكِبَ هُوَ فِي الْبَطْنِ الْأَعْلَى، وَحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، ثُمَّ دَفَنَهُ بَعْدُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ إِبْلِيسُ مَعَهُمْ فِي الْكَوْثَلِ.
وَقِيلَ: جَاءَتِ الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ لِدُخُولِ السَّفِينَةِ فَقَالَ نُوحٌ: لَا أَحْمِلُكُمَا، لِأَنَّكُمَا سَبَبُ الضَّرَرِ وَالْبَلَاءِ، فَقَالَتَا: احْمِلْنَا فَنَحْنُ نَضْمَنُ لَكَ أَلَّا نَضُرَّ أَحَدًا ذَكَرَكَ، فَمَنْ قَرَأَ حِينَ يَخَافُ مَضَرَّتَهُمَا (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) [الصافات: 79] لَمْ تَضُرَّاهُ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي التَّارِيخِ لَهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي صَلَّى اللَّهُ عَلَى نُوحٍ وَعَلَى نُوحٍ السَّلَامُ لَمْ تَلْدَغْهُ عَقْرَبٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) .
قَالَ الْأَخْفَشُ وَالْكِسَائِيُّ يُقَالُ: سَخِرْتُ بِهِ وَمِنْهُ.
وَفِي سُخْرِيَتِهِمْ مِنْهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ يَبْنِي سَفِينَتَهُ فِي الْبَرِّ، فَيَسْخَرُونَ بِهِ وَيَسْتَهْزِئُونَ وَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ صِرْتَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ نَجَّارًا.
الثَّانِي - لَمَّا رَأَوْهُ يَبْنِي السَّفِينَةَ وَلَمْ يُشَاهِدُوا قَبْلَهَا سَفِينَةً بُنِيَتْ قالوا: يا نوح مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: أَبْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ، فَعَجِبُوا مِنْ قَوْلِهِ وَسَخِرُوا مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ الطُّوفَانِ نَهْرٌ وَلَا بَحْرٌ، فَلِذَلِكَ سَخِرُوا مِنْهُ، وَمِيَاهُ الْبِحَارِ هِيَ بَقِيَّةُ الطُّوفَانِ.
(قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا) أَيْ مِنْ فِعْلِنَا الْيَوْمَ عِنْدَ بناء السفينة.
(فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) غَدًا عِنْدَ الْغَرَقِ.
وَالْمُرَادُ بِالسُّخْرِيَةِ هُنَا الِاسْتِجْهَالُ، ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلونا.