(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا(36)
أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّذَلُّلِ لَهُ وَالْإِخْلَاصِ فِيهِ، فَالْآيَةُ أَصْلٌ فِي خُلُوصِ الْأَعْمَالِ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَصْفِيَتِهَا مِنْ شَوَائِبِ الرِّيَاءِ وَغَيْرِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: إِنَّهُ مَنْ تَطَهَّرَ تَبَرُّدًا أَوْ صَامَ مُحِمًّا لِمَعِدَتِهِ وَنَوَى مَعَ ذَلِكَ التَّقَرُّبَ لَمْ يُجْزِهِ، لِأَنَّهُ مَزَجَ فِي نِيَّةِ التَّقَرُّبِ نِيَّةً دُنْيَاوِيَّةً وَلَيْسَ لِلَّهِ إِلَّا الْعَمَلُ الْخَالِصُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ) وَقَالَ تَعَالَى: (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) .
وَكَذَلِكَ إِذَا أَحَسَّ الرَّجُلُ بِدَاخِلٍ فِي الرُّكُوعِ وَهُوَ إِمَامٌ لَمْ يَنْتَظِرْهُ، لِأَنَّهُ يُخْرِجُ رُكُوعَهُ بِانْتِظَارِهِ عَنْ كَوْنِهِ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عن أنس ابن مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يُجَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصُحُفٍ مُخْتَمَةٍ فَتُنْصَبُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ أَلْقُوا هَذَا وَاقْبَلُوا هَذَا فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ وَعِزَّتِكَ مَا رَأَيْنَا إِلَّا خَيْرًا فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - وَهُوَ أَعْلَمُ - إِنَّ هَذَا كَانَ لِغَيْرِي وَلَا أَقْبَلُ الْيَوْمَ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهِي) .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْفِهْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ أَنَا خَيْرُ شَرِيكٍ فَمَنْ أَشْرَكَ مَعِي شَرِيكًا فَهُوَ لِشَرِيكِي يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَخْلِصُوا أَعْمَالَكُمْ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا خَلَصَ لَهُ وَلَا تَقُولُوا هَذَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ فَإِنَّهَا لِلرَّحِمِ وَلَيْسَ لله منها شيء وَلَا تَقُولُوا هَذَا لِلَّهِ وَلِوُجُوهِكُمْ فَإِنَّهَا لِوُجُوهِكُمْ وليس لله تعالى منها شيء) .
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ عُلَمَاءَنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالُوا: الشِّرْكُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ وَكُلُّهُ مُحَرَّمٌ.
وَأَصْلُهُ اعْتِقَادُ شَرِيكٍ لِلَّهِ فِي أُلُوهِيَّتِهِ، وَهُوَ الشِّرْكُ الْأَعْظَمُ وَهُوَ شِرْكُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) .
وَيَلِيهِ فِي الرُّتْبَةِ اعْتِقَادُ شَرِيكٍ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَوْجُودًا مَا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَقِلُّ بِإِحْدَاثِ فِعْلٍ وَإِيجَادِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ كَوْنَهُ إِلَهًا كَالْقَدَرِيَّةِ مَجُوسِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ تَبَرَّأَ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَيَلِي هَذِهِ الرُّتْبَةَ الْإِشْرَاكُ فِي الْعِبَادَةِ وَهُوَ الرِّيَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهَا لَهُ لِغَيْرِهِ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي سِيقَتِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ لِبَيَانِ تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ مُبْطِلٌ لِلْأَعْمَالِ وَهُوَ خَفِيٌّ لَا يَعْرِفُهُ كُلُّ جَاهِلٍ غَبِيٍّ.
وَرَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُحَاسِبِيِّ فَقَدْ أَوْضَحَهُ فِي كِتَابِهِ (الرِّعَايَةِ) وَبَيَّنَ إِفْسَادَهُ لِلْأَعْمَالِ.
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى مُنَادٍ مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ) .
وَفِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نتذاكر المسيخ الدَّجَّالَ فَقَالَ: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عليكم عندي من المسيخ الدَّجَّالِ؟) قَالَ: فَقُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: (الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ) .
وَفِيهِ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةً) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ.
وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكَهْفِ، وَفِيهِ بَيَانُ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ.
وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ فَقَالَ: (هُوَ الرَّجُلُ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ يُحِبُّ أَنْ يُجْلَسَ إِلَيْهِ) .
قَالَ سهل ابن عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الرِّيَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا - أَنْ يَعْقِدَ فِي أَصْلِ فِعْلِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَيُرِيدَ بِهِ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ لِلَّهِ، فَهَذَا صِنْفٌ مِنَ النِّفَاقِ وتشكك في الإيمان.
والآخر -
يَدْخُلُ فِي الشَّيْءِ لِلَّهِ فَإِذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ نَشِطَ، فَهَذَا إِذَا تَابَ يَزِيدُ أَنْ يُعِيدَ جَمِيعَ مَا عَمِلَ.
وَالثَّالِثُ - دَخَلَ فِي الْعَمَلِ بِالْإِخْلَاصِ وَخَرَجَ بِهِ لِلَّهِ فَعُرِفَ بِذَلِكَ وَمُدِحَ عَلَيْهِ وَسَكَنَ إِلَى مَدْحِهِمْ، فَهَذَا الرِّيَاءُ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ سَهْلٌ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: الرِّيَاءُ أَنْ تَطْلُبَ ثَوَابَ عَمَلِكَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا عَمَلُ الْقَوْمِ لِلْآخِرَةِ.
قِيلَ لَهُ: فَمَا دَوَاءُ الرِّيَاءِ؟ قَالَ كِتْمَانُ الْعَمَلِ، قِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ يُكْتَمُ الْعَمَلُ؟ قَالَ: مَا كُلِّفْتَ إِظْهَارَهُ مِنَ الْعَمَلِ فَلَا تَدْخُلْ فِيهِ إِلَّا بِالْإِخْلَاصِ، وَمَا لَمْ تُكَلَّفْ إِظْهَارَهُ أَحَبُّ أَلَّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ: وَكُلُّ عَمَلٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْخَلْقُ فَلَا تَعُدُّهُ مِنَ الْعَمَلِ.
وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: مَا هُوَ بِعَاقِلٍ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْرِفَ مَكَانَهُ مِنْ عَمَلِهِ.
قُلْتُ: قَوْلُ سَهْلٍ (وَالثَّالِثُ دَخَلَ فِي الْعَمَلِ بِالْإِخْلَاصِ) إِلَى آخِرِهِ، إِنْ كَانَ سُكُونُهُ وَسُرُورُهُ إِلَيْهِمْ لِتَحْصُلَ مَنْزِلَتُهُ فِي قُلُوبِهِمْ فيحمدوه ويجلوه ويبرؤه وَيَنَالَ مَا يُرِيدُهُ مِنْهُمْ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهَذَا مَذْمُومٌ، لِأَنَّ قَلْبَهُ مَغْمُورٌ فَرَحًا بِاطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانُوا قَدِ اطَّلَعُوا عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ.
فَأَمَّا مَنْ أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَلْقَهُ وَهُوَ لَا يُحِبُّ اطِّلَاعَهُمْ عَلَيْهِ فَيُسَرُّ بِصُنْعِ اللَّهِ وَبِفَضْلِهِ عَلَيْهِ فَسُرُورُهُ بِفَضْلِ اللَّهِ طَاعَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) .
وَبَسْطُ هَذَا وَتَتْمِيمُهُ فِي كِتَابِ (الرِّعَايَةِ لِلْمُحَاسِبِيِّ) ، فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ هُنَاكَ.
وَقَدْ سُئِلَ سَهْلٌ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنِّي أُسِرُّ الْعَمَلَ فَيُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَيُعْجِبُنِي) قَالَ: يُعْجِبُهُ مِنْ جِهَةِ الشُّكْرِ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَوْ نَحْوَ هَذَا.
فَهَذِهِ جُمْلَةٌ كَافِيَةٌ فِي الرِّيَاءِ وَخُلُوصِ الْأَعْمَالِ.