فهرس الكتاب

الصفحة 1024 من 1768

اخْتَلَفَ الْمُتَأَوِّلُونَ فِي وَجْهِ صِفَةِ الْبَيْتِ بِالْعَتِيقِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: الْعَتِيقُ الْقَدِيمُ.

يُقَالُ: سَيْفٌ عَتِيقٌ، وَقَدْ عَتُقَ أَيْ قَدُمَ، وَهَذَا قَوْلٌ يُعَضِّدُهُ النَّظَرُ.

وَفِي الصَّحِيحِ (أَنَّهُ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ) .

وَقِيلَ: عَتِيقًا لِأَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ مِنْ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ جَبَّارٌ بِالْهَوَانِ إِلَى انْقِضَاءِ الزَّمَانِ، قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ.

وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتُ الْعَتِيقَ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبَّارٌ) قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا.

فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ وَنَصْبَهُ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى كَسَّرَهَا قِيلَ لَهُ: إِنَّمَا أَعْتَقَهَا عَنْ كُفَّارِ الْجَبَابِرَةِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا أَتَوْا بِأَنْفُسِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ وَلِحُرْمَةِ الْبَيْتِ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ، وَقَصَدُوا الْكَعْبَةَ بِالسُّوءِ فَعُصِمَتْ مِنْهُمْ وَلَمْ تَنَلْهَا أَيْدِيهِمْ، كَانَ ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ صَرَفَهُمْ عَنْهَا قَسْرًا.

فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا حُرْمَتَهَا فَإِنَّهُمْ إِنْ كَفُّوا عَنْهَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى مَنْزِلَتِهَا عِنْدَ اللَّهِ مِثْلُ مَا يَكُونُ مِنْهَا فِي كَفِّ الْأَعْدَاءِ، فَقَصَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الطَّائِفَةَ

عَنِ الْكَفِّ بِالنَّهْيِ وَالْوَعِيدِ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ إِلَى الصَّرْفِ بِالْإِلْجَاءِ وَالِاضْطِرَارِ،

وَجَعَلَ السَّاعَةَ مَوْعِدَهُمْ، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّهُ لَمْ يُمْلَكْ مَوْضِعُهُ قَطُّ.

وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْتِقُ فِيهِ رِقَابَ الْمُذْنِبِينَ مِنَ الْعَذَابِ.

وَقِيلَ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّهُ أُعْتِقَ مِنْ غرق الطوفان، قاله ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَقِيلَ: الْعَتِيقُ الْكَرِيُمُ.

وَالْعِتْقُ الْكَرَمُ.

قَالَ طَرَفَةُ يَصِفُ أُذُنَ الْفَرَسِ:

مُؤَلَّلَتَانِ تَعْرِفُ الْعِتْقَ فِيهِمَا ... كَسَامِعَتَيْ مَذْعُورَةٍ وَسْطَ رَبْرَبِ

وَعِتْقُ الرَّقِيقِ: الْخُرُوجُ مِنْ ذُلِّ الرِّقِّ إِلَى كَرَمِ الْحُرِّيَّةِ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْعَتِيقُ صِفَةَ مَدْحٍ تَقْتَضِي جَوْدَةَ الشَّيْءِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ: حُمِلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ، الْحَدِيثَ.

وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ لِلنَّظَرِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: خَلَقَ اللَّهُ الْبَيْتَ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَسُمِّيَ عَتِيقًا لهذا، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت