قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ)
كَرَّرَ الْأَمْرَ تَأْكِيدًا، كَمَا تَقُولُ: ارْمِ. ارْمِ.
وَقِيلَ: الْأَوَّلُ أَمْرٌ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
وَالثَّانِي أَمْرٌ بِالذِّكْرِ عَلَى حُكْمِ الْإِخْلَاصِ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالثَّانِي تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ وَأَمْرٌ بِشُكْرِهَا.
ثم ذكرهم بحال ضلالهم ليظهر قَدْرَ الْإِنْعَامِ فَقَالَ: (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) وَالْكَافُ فِي (كَمَا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ كَافَّةٌ.
وَالْمَعْنَى: اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا كَمَا هَدَاكُمْ هِدَايَةً حَسَنَةً، وَاذْكُرُوهُ كَمَا عَلَّمَكُمْ كَيْفَ تَذْكُرُونَهُ لَا تَعْدِلُوا عَنْهُ.
وَ (إِنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يَدُلُّ على ذلك دخول اللام في الخبر، قال سِيبَوَيْهِ.
الْفَرَّاءُ: نَافِيَةٌ بِمَعْنَى مَا، وَاللَّامُ بِمَعْنَى إِلَّا، كَمَا قَالَ:
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إِنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا ... حَلَّتْ عَلَيْكَ عُقُوبَةُ الرَّحْمَنِ
أَوْ بِمَعْنَى قَدْ، أَيْ قَدْ كُنْتُمْ، ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
وَالضَّمِيرُ فِي (قَبْلِهِ) عَائِدٌ إِلَى الْهُدَى.
وَقِيلَ إِلَى الْقُرْآنِ، أَيْ مَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِ إِنْزَالِهِ إِلَّا ضَالِّينَ.
وَإِنْ شِئْتَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، والأول أظهر والله أعلم.