فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 1768

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: مَعْنَى الْآيَةِ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.

وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ: تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ اشْتِغَالَ الْإِنْسَانِ بِخَاصَّةِ نَفْسِهِ، وتركه التعرض لمعايب النَّاسِ، وَالْبَحْثَ عَنْ أَحْوَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ عَنْ حَالِهِ فَلَا يَسْأَلُ عَنْ حَالِهِمْ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) المدثر: 38]، (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) [الانعام: 461] .

وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُنْ جَلِيسَ بَيْتِكَ وَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ» .

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ الزَّمَانُ الَّذِي يَتَعَذَّرُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَيُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، وَيَشْتَغِلُ بِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ. قُلْتُ: قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ: قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ الْجُذَامِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ رَأْسُ مِائَتَيْنِ فَلَا تَأْمُرْ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تَنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ وَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ» .

قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ لِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ، وَفَسَادِ الْأَحْوَالِ، وَقِلَّةِ الْمُعِينِينَ.

وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: مَعْنَى الْآيَةِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ أَبْنَاءِ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَحَرُوا الْبَحِيرَةَ وَسَيَّبُوا السَّوَائِبَ، عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فِي الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الدِّينِ، لَا يَضُرُّكُمْ ضَلَالُ الْأَسْلَافِ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، قَالَ: وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ قَالَ لَهُ الْكُفَّارُ سَفَّهْتَ آبَاءَكَ وَضَلَّلْتَهُمْ وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ الَّذِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ الْوَعْظُ، فَإِذَا عَلِمْتَ مِنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ، بَلْ يَسْتَخِفُّونَ وَيَظْهَرُونَ فَاسْكُتْ عَنْهُمْ.

وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْأُسَارَى الَّذِينَ عَذَّبَهُمُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى ارْتَدَّ بَعْضُهُمْ، فَقِيلَ لِمَنْ بَقِيَ عَلَى الْإِسْلَامِ: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمُ ارْتِدَادُ أَصْحَابِكُمْ.

وَقَالَ: سعيد بن جبير: هي فِي أَهْلِ الْكِتَابِ - وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ، يَذْهَبَانِ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَضُرُّكُمْ كُفْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا أَدَّوُا الْجِزْيَةَ.

وَقِيلَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، قَالَهُ الْمَهْدَوِيُّ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ وَلَا يُعْلَمُ قَائِلُهُ.

قُلْتُ: قَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى آيَةٌ جَمَعَتِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ غَيْرَ هَذِهِ الْآيَةِ.

قَالَ غَيْرُهُ: النَّاسِخُ مِنْهَا قَوْلُهُ: (إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وَالْهُدَى هُنَا هُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ مُتَعَيَّنٌ مَتَى رُجِيَ الْقَبُولُ، أَوْ رُجِيَ رَدُّ الظَّالِمِ وَلَوْ بِعُنْفٍ، مَا لَمْ يَخَفِ الْآمِرُ ضَرَرًا يَلْحَقُهُ فِي خَاصَّتِهِ، أَوْ فِتْنَةً يُدْخِلُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، إِمَّا بِشَقِّ عَصًا، وَإِمَّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا خِيفَ هَذَا فَ (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) مُحْكَمٌ وَاجِبٌ أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ.

وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّاهِي أَنْ يَكُونَ عَدْلًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى هذا جماعة أهل العلم فاعلمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت