و (الْأَرْحامَ) مَعْطُوفٌ.
أَيِ اتَّقُوا اللَّهَ أَنْ تَعْصُوهُ، وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا.
وَقَرَأَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ (الْأَرْحَامِ) بِالْخَفْضِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّحْوِيُّونَ فِي ذَلِكَ.
فَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ فَقَالَ رُؤَسَاؤُهُمْ: هُوَ لَحْنٌ لَا تَحِلُّ الْقِرَاءَةُ بِهِ.
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَقَالُوا: هُوَ قَبِيحٌ، وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى هَذَا وَلَمْ يَذْكُرُوا عِلَّةَ قُبْحِهِ، قَالَ النَّحَّاسُ: فِيمَا عَلِمْتُ.
وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُعْطَفْ عَلَى الْمُضْمَرِ الْمَخْفُوضِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّنْوِينِ، وَالتَّنْوِينُ لَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَكْنِيِّ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يتساءلون بها، يقول الرجل:
سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ، هَكَذَا فَسَّرَهُ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي.
وَضَعَّفَهُ أَقْوَامٌ مِنْهُمُ الزَّجَّاجُ، وَقَالُوا: يَقْبُحُ عَطْفُ) الِاسْمِ الظَّاهِرِ عَلَى الْمُضْمَرِ فِي الْخَفْضِ إِلَّا بِإِظْهَارِ الْخَافِضِ، كَقَوْلِهِ (فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ) وَيَقْبُحُ (مَرَرْتُ بِهِ وَزَيْدٍ) .
قَالَ الزَّجَّاجُ عَنِ الْمَازِنِيِّ: لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ وَالْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ شَرِيكَانِ، يَحُلُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحَلَّ صَاحِبِهِ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَكَ) كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ (مَرَرْتُ بِكَ وَزَيْدٍ) .
وَأَمَّا سِيبَوَيْهِ فَهِيَ عِنْدَهُ قَبِيحَةٌ وَلَا تَجُوزُ إِلَّا فِي الشِّعْرِ، كَمَا قَالَ:
فَالْيَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وَتَشْتِمُنَا ... فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالْأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ
عَطَفَ (الْأَيَّامَ) عَلَى الْكَافِ فِي (بِكَ) بِغَيْرِ الْبَاءِ لِلضَّرُورَةِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ:
نُعَلِّقُ فِي مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفَنَا ... وَمَا بَيْنَهَا وَالْكَعْبِ مَهْوَى نَفَانِفُ
عَطَفَ (الْكَعْبَ) عَلَى الضَّمِيرِ فِي (بَيْنَهَا) ضَرُورَةً.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: ذَلِكَ ضَعِيفٌ فِي الْقِيَاسِ.
وَفِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ الْمَهْدِيَّةِ عَنِ الْفَارِسِيِّ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدَ قَالَ: لَوْ صَلَّيْتُ خَلْفَ إِمَامٍ يَقْرَأُ (مَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) وَ (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) لَأَخَذْتُ نَعْلِي وَمَضَيْتُ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: قِرَاءَةُ حَمْزَةَ مَعَ ضَعْفِهَا وَقُبْحِهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ خَطَأٌ عَظِيمٌ فِي أُصُولِ أَمْرِ الدِّينِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) فَإِذَا لَمْ يَجُزِ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ بِالرَّحِمِ.
وَرَأَيْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَأَنَّهُ خَاصٌّ لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ النَّحَّاسُ: وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ (وَالْأَرْحَامِ) قَسَمٌ خَطَأٌ مِنَ الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَة يَدُلُّ عَلَى النَّصْبِ.
وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَ قَوْمٌ مِنْ مُضَرَ حُفَاةً عُرَاةً، فَرَأَيْتُ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَغَيَّرُ لِمَا رَأَى مِنْ فَاقَتِهِمْ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ وَخَطَبَ النَّاسَ فقال: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) إِلَى (وَالْأَرْحامَ) ، ثُمَّ قَالَ: (تَصَدَّقَ رَجُلٌ بِدِينَارِهِ تَصَدَّقَ رَجُلٌ بِدِرْهَمِهِ تَصَدَّقَ رَجُلٌ بِصَاعِ تَمْرِهِ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
فَمَعْنَى هَذَا عَلَى النَّصْبِ، لِأَنَّهُ حَضَّهُمْ عَلَى صِلَةِ أَرْحَامِهِمْ.
وَأَيْضًا فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ) .
فَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْمَعْنَى أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وبالرحم.
وقد قال أبو إسحاق: معنى (تَسائَلُونَ بِهِ) يَعْنِي تَطْلُبُونَ حُقُوقَكُمْ بِهِ.
وَلَا مَعْنَى لِلْخَفْضِ أَيْضًا مَعَ هَذَا.
قُلْتُ: هَذَا مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ لِعُلَمَاءِ اللِّسَانِ فِي مَنْعِ قِرَاءَةِ (وَالْأَرْحَامِ) بِالْخَفْضِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وَرَدَّهُ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِيُّ، وَاخْتَارَ الْعَطْفَ فَقَالَ: وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ مَرْدُودٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الدِّينِ، لِأَنَّ القراءات التي قرأ بها أَئِمَّةُ الْقُرَّاءِ ثَبَتَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَاتُرًا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الصَّنْعَةِ، وَإِذَا ثبت شيء عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ رَدَّ ذَلِكَ فَقَدْ رَدَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَقْبَحَ مَا قَرَأَ بِهِ، وَهَذَا مَقَامٌ مَحْذُورٌ، وَلَا يُقَلَّدُ فِيهِ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ، فَإِنَّ الْعَرَبِيَّةَ تُتَلَقَّى مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي فَصَاحَتِهِ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَدِيثِ فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِأَبِي الْعُشَرَاءِ: (وَأَبِيكَ لَوْ طَعَنْتَ فِي خَاصِرَتِهِ) .
ثُمَّ النَّهْيُ إِنَّمَا جَاءَ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَهَذَا تَوَسُّلٌ إِلَى الْغَيْرِ بِحَقِّ الرَّحِمِ فَلَا نَهْيَ فِيهِ.
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَقَدْ قِيلَ هَذَا إِقْسَامٌ بِالرَّحِمِ، أَيِ اتَّقُوا اللَّهَ وَحَقِّ الرَّحِمِ، كَمَا تَقُولُ: افْعَلْ كَذَا وَحَقِّ أَبِيكَ.
وَقَدْ جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ: (وَالنَّجْمِ) ، وَالطُّورِ، وَالتِّينِ، لَعَمْرُكَ) وَهَذَا تَكَلُّفٌ.
قُلْتُ: لَا تَكَلُّفَ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ (وَالْأَرْحَامِ) مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَيَكُونُ أَقْسَمَ بِهَا، كَمَا أَقْسَمَ بِمَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ تَأْكِيدًا لَهَا حَتَّى قرنها بنفسه. والله أعلم.
وَلِلَّهِ أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ وَيَمْنَعَ مَا شَاءَ وَيُبِيحَ مَا شَاءَ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَسَمًا. وَالْعَرَبُ تُقْسِمُ بِالرَّحِمِ.
وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ مُرَادَةً فَحَذَفَهَا كَمَا حَذَفَهَا فِي قَوْلِهِ:
مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ... وَلَا نَاعِبٍ إِلَّا بِبَيْنٍ غُرَابُهَا
فَجَرَّ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ بَاءٌ.
قَالَ ابْنُ الدَّهَّانِ أَبُو مُحَمَّدٍ سَعِيدُ بْنُ مُبَارَكٍ: وَالْكُوفِيُّ يُجِيزُ عَطْفَ الظَّاهِرِ عَلَى الْمَجْرُورِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
آبَكَ أَيِّهْ بِيَ أَوْ مُصَدَّرِ ... مِنْ حُمُرِ الْجِلَّةِ جَأْبٍ حَشْوَرِ
وَمِنْهُ:
فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالْأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
وَمَا بَيْنَهَا وَالْكَعْبِ غَوْطٌ نَفَانِفُ
وَمِنْهُ:
فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكِ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
وَقَدْ رَامَ آفَاقَ السَّمَاءِ فَلَمْ يَجِدْ ... لَهُ مَصْعَدًا فِيهَا وَلَا الْأَرْضِ مَقْعَدَا
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
مَا إِنْ بِهَا وَالْأُمُورِ مِنْ تَلَفٍ ... مَا حُمَّ مِنْ أَمْرِ غَيْبِهِ وَقَعَا
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
أَمُرُّ عَلَى الْكَتِيبَةِ لَسْتُ أَدْرِي ... أَحَتْفِي كَانَ فِيهَا أَمْ سِوَاهَا
فِ «سِوَاهَا» مَجْرُورُ الْمَوْضِعِ بِفِي.
وَعَلَى هَذَا حَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ) فَعَطَفَ عَلَى الْكَافِ وَالْمِيمِ.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ (وَالْأَرْحَامُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: وَالْأَرْحَامُ أَهْلٌ أَنْ تُوصَلَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِغْرَاءً، لِأَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَرْفَعُ الْمُغْرَى.