وعلى كلٍّ .. فمعرفة النظام والربط عند الفراهي تعدل معرفة نصف القرآن ، فمن فاته النظام والربط فاته شيء ٌ كثيرٌ من فهم روح القرآن .. فبالنظام يتبين سمتُ الكلام - كما يقول رحمه الله - والانتفاع بالقرآن والاستفادة منه موقوفةٌ على فهمه ، والكلام لا يمكن فهمه إلا بالوقوف على تركيب أجزائه ، وبيان تناسب بعضها ببعض ؛ لأن الاطلاع على المراد من معاني الأجزاء لا يتأتَّى إلا بعد الوقوف على الناحية التأليفية ، فلا يستطيع أحدٌ أن يستفيد من كتابٍ وينتفع به دون أن يفهمه ، ولن يفهمه حتى يدرك الروابط بين أجزائه ومواقع كلٍّ منها .. على أن البقاعي كان يقدم لكلِّ سورة من سور القرآن بمقدمةٍ مُجملةٍ ، ثم يضعها تحت اسمٍ جامعٍ لكل عناصر السور وتحت غرضٍ واحدٍ .
* معرفة النظام ووحدة المسلمين:
سبق معنا فِي المبحث الثاني (عند الكلام عن موقع علم المناسبة من علوم القرآن) أن أشرتُ إلى ملمحٍ مهمٍ جداً يميز تناول الشيخ الفراهي لقضية التناسب والنظام فِي القرآن الكريم ، وهو اهتمامه الموفَّق بالربط بين غفلة المسلمين عن قضية النظام والترابط فِي القرآن وبين حالهم المحزن الذي هم عليه ، من التشيُّع والتحزُّب ، والخلاف القاتل فيما بينهم ، وفي ذلك يقول - رحمة الله عليه -:
.. إن الخلافات التي جدَّت فِي الأمة الإسلامية ، وأثارت بينها العداوة والبغضاء نتيجة عدم اعتناء العلماء بالنظم القرآني ، وعدم معرفتهم إياه ، فلو فهموا النظام ، لفهموا روح القرآن ، وحاولوا إزالة هذه الخلافات لا إشعال نيرانها كما يفعلون ، فإني رأيت جُلَّ اختلاف الآراء فِي التأويل من عدم التزام رباط الآيات ، فإنه لو ظهر النظام ، واستبان لنا عمود الكلام ، لجُمعنا تحت رايةٍ