يقول: (( اعلم أن تعيين عمود السورة هو إقليدٌ لمعرفة نظامها .. ولكنه أصعب المعارف ، ويحتاج إلى شدة التأمل والتمحيص ، وترداد النظر فِي مطالب السورة المتماثلة والمتجاورة ، حتى يلوح العمود كفلق الصبح ، فتضيء به السورة كلُّها ، ويتبين نظامُها ، وتأخذ كل آية محلها الخاص ، ويتعين من التأويلات المحتملة أرجحها ) ) (1) .
ثم يعدِّد بعد ذلك أهم أسباب صعوبة مثل هذا البحث ، والتي يمكن تلخيصها فِي كون القرآن نزل متشابهاً مثاني ، وأن الكتاب نزل بالحكمة التي لا تتأتى بمجرد إلقاء المعارف .. بل بإعمال الفكر والعقل ، ثمَّ كون ما جاء به القرآن من نهاية الإيجاز هو مدار إعجازه (2) ..
ثم يتكلم الفراهي بعد ذلك عن نظم السور بعضها مع بعض ، بعد أن يذكر (عمود) كلٍّ منها إجمالاً ، فعلى سبيل المثال: يذكر أن سورة الفاتحة كالديباحة للقرآن ، ففيها مفاتيح لجميع ما فيه ، وسورة البقرة هي سورة الإيمان المطلوب ؛ ولذلك جمعت دلائله ، وسورة آل عمران سورة الإسلام ، وهو طاعة النبي (، وسورة النساء كالرِّدْء لصورة الإسلام ، بما تبين من كون الشريعة رحمة على الناس كافة ، وسورة المائدة تركِّز على بناء الإسلام على العهد الإلهي ، بذكر أواسط العهد ونهايته ، وأما سورة الأنعام ، فعمودها بيانُ موقع الأحكام من عهد التوحيد ، لسدِّ أبواب الشرك .. وهكذا حتى ينتهي من سور القرآن المائة والأربع عشر ، فِي إيجاز دالٍّ ، وعبارةٍ محكمة(3) .
(1) دلائل النظام ، ص 77
(2) انظر السابق: ص 77: 79
(3) السابق ، 93: 105