عدم الاتصال بين آياتٍ متجاورةٍ يوجد كثيراً ، ومنها ما ترى فيه اقتضاباً بيِّناً ، وذلك إذا كانت الآية - أو جملةٌ من الآيات - متصلةً بالتي على بُعدٍ منها .
وبالجملة: فمرادنا بالنظام أن تكون السورة كاملاً * واحداً ، ثم تكون ذات مناسبة بالسورة السابقة واللاحقة ، أو بالتي قبلها أو بعدها على بُعدٍ منها . (...) فكما أن الآيات ربما تكون معترضة ؛ فكذلك ربما تكون السورة معترضة ، وعلى هذا الأصل نرى القرآن كلَّه كلاماً واحداً ، ذا مناسبة وترتيب فِي أجزائه ، من الأول إلى الآخر ، فتبين مما قدمنا أن النظام شيءٌ زائدٌ على المناسبة وترتيب الأجزاء )) (1) .
والفراهي فِي سبيل معرفة النظام - على هذه الكيفية التي بيَّن - يسعى إلى استخراج ما سماه (عمود) كل سورة ، وهو يعني به العنوان الرئيس للسورة من القرآن ، فمعرفته تؤدي ، من ثَمّ إلى معرفة نظام القرآن كلِّه ، وهو فِي استخراجه لا يعتمد كثيراً على حشد الأقاويل والروايات التي تملأ كتب التفسير ، بل يعمد - مباشرةً - إلى تدبُّر القرآن ، والنظر فِي معانيه وأهدافه نظر المطلع الخبير ؛ ليهديه هذا التأمل المجرَّد إلى معرفة العمود ، ومن ثَمَّ النظام (2) .
وهو يصرِّح بصعوبة هذه العملية المعرفية لاستخراج (عمود السورة) ، وذلك حتى يبعث طالبه إلى بذل غاية وسعه فِي محاولة تحديده .. وفي ذلك
* كذا بالمطبوعة ، ولعل صحتها: كلاً ، أو: كلاماً .. والله أعلم .
(1) دلائل النظام ، ص 74 ، 75
(2) انظر: الفراهي وجهوده فِي الدعوة الإسلامية ، د . محمد سيد سعيد أحسن العابدي (رسالة دكتوراه لم تنشر بعد ، تقدم بها صاحبها الهندي إلى قسم الدعوة والإرشاد بكلية أصول الدين بالقاهرة عام(1976م) ، ص 140 ، 141 .