وقد تبدو مثلُ هذه اللهجة الواثقة المتباهية مستغربةً بعض الشيء من عالم بالقرآن مثل البقاعي .. ولكن المنصف يتقبلها منه ؛ فقد أوذي كثيراً من بنى عصره ، وصُوِّبت إلى كتبه - ولا سيما (نظم الدرر) - سهام النقد غير المنصف - ولا البريء ! - . حتى اتُّهم بأنه سرقه من شيء عثر عليه فنسبه إلى نفسه ! وقد دافع عن نفسه - إذ لم يجد من يدافع عنه ! - دفاعاً حاراً فِي مقدمة كتابه (مصاعد النظر) ، وشكا بمرارةٍ بالغة ما لقيه من حاسديه - كما سبقت الإشارة إلى ذلك - .. ثم قال: .. فلا يعتب عليَّ أحد فِي هذا الكلام ، فإنه نفثة مصدور ، ورميةُ معذور ، شغله الذبابُ عن كثير من مقاصده ، ونفَّر عنه كثيراً من مصايده ! )) (1) .. ثم ذكر ما قال بعضهم فِي كتابه ذاك نظم الدرر: (( إنه لا حاجة إليه ، ولا معوَّل عليه ) ).. وأجاب عن ذلك بقوله:
.. على أنه (يعني نظم الدرر) بما لولاه لافتضح أكثرهم لو وافقه فِي القرآن مناظر ، وحاوره فِي كثير من الجمل من أهل الملل محاور - فِي مكان يأمن فيه الحيف ، ولا يخشى سطوة السيف ! - .. لو قال: أنتم تقولون: إن القرآن معجز ، وكذا آية مستقلة توازي الكوثر التي هي أقصر سورة .. فما قال فِي قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ...} (الأنعام/ 84: 86) .. فهذه الآيات بمقدار الكوثر نحو أربع مرات . إن قلت: إن المعجز مطلقُ نظمها بهذه الألفاظ ، فأنا أرتب من فيها غير هذا الترتيب ! وإن قلتم: إنه أمر يخص هذا النظم على ما هو عليه من الترتيب ؛ فبيِّنوه ! - لحيَّرهم !* )) .
ثم قال - بعد أن ذكر أمثلة أخرى من سور النساء و (ص) و (ق) -:
(1) السابق ، 1/147: 149
* هذا جواب قوله عن ذلك المحاور المتشكّك فِي نظم القرآن: (( لو قال: أنتم تقولون ... ) )إلخ.