.. ولقد أخبرني بعض الأفاضل أن شخصاً من اليهود لقيه خالياً ، فقال له: ماذا قال نبيكم فِي الروح؟ فقال له: أنزل الله عليه فيها قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} (الإسراء/ 85) ، فقال له مستهزئاً: بيانٌ مليحٌ هذا !
قال: فأبهتني ، ثم تركني وانصرف .. وقد بلغ من نكايتي مالا يعلمه إلا الله ، وما دريتُ ما أجيبه ! ولو كان يعرف ما بِيَّنه فيها كتابي هذا - الذين صوَّبوا إليه من الغضّ ، ما يكاد الجبل منه يرفضُّ ! - لأخزاه وأخجله ، ونكَّس رأسه وجهَّله ! )) (1) .
وذكرُ مثل هذه التفاصيل مهم جداً لبيان أهمية الكلام فِي التناسب عموماً ، وقيمة وأهمية مساهمة البقاعي - رحمه الله - فِي فتح أبواب التوسُّع فيه ، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك فيما سبق .
ورغم أن البقاعي ذهب - خلافاً لرأي الجمهور ، وخلافاً للصحيح من القولين كذلك .. كما سبق - إلى أن ترتيب السور كان باجتهادٍ من الصحابة - رضوان الله عليهم - (2) ؛ إلا أن ذلك لم يعكِّر على طريقته فِي إظهار التناسب ؛ لأنه عقَّب القول بكون الترتيب اجتهادياً بتقرير أن هذا هو ما رضيه الله تعالى لكتابه الحكيم ، فوفق صحابة نبيه (إليه . وهذا التعقيب لا يمنع بحالٍ من نقد البقاعي فيما ذهب إليه فِي ذلك ، مخالفاً جمهور أهل العلم فيه(3) .
(1) السابق ، 1/147: 149
(2) ذكر ذلك عند ربطه سورة آل عمران بالبقرة ، انظر نظم الدرر: 4/ 199
(3) انظر فِي ذلك كتاب أستاذنا وشيخنا الدكتور محمد أحمد يوسف القاسم: الإعجاز البياني فِي ترتيب آيات القرآن الكريم وسوره ، ص 106 ، وراجعه كذلك فِي تفصيل المسألة كلها: 257: 286