واللفظ ؛ لكونه كلام من جلَّ عن شوائب النقص ، وحاز صفات الكمال ، إيماناً بالغيب ، وتصديقاً بالرب ، قائلاً ما قال الراسخون فِي العلم: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} ، فانفتح له ذلك الباب ، ولاحت له من ورائه بوارق أنوار تلك
الأسرار ، رقص * الفكر منه طرباً ، وسكر والله استغراباً وعجباً ، وطاش لعظمة ذلك جَنانه ، فرسخ من غير مريةٍ إيمانه )) (1) .
وهو يذكر عناءه فِي التفكر فِي مسائل المناسبة ، وبذله وسعه فِي الوصول إلى غوامضها .. ويقول:
.. وعلى قدر غموض تلك المناسبات يكون وضوحها بعد انكشافها ، ولقد شفاني بعض فضلاء العجم ، وقد سألته عن شيء ٍ من ذلك ، فرآه مشكلاً ، ثم قررت إليه وجه مناسبته ، وسألته: هل وضح له ؟ فقال: يا سيدي .. كلامك هذا يتسابق إلى الذهن! )) .. ثم يعقب على هذه الواقعة بقوله: .. فلا تظنن أيها الناظر لكتابي هذا ، أن المناسبات كانت كذلك قبل الكشف لقناعها ، والرفع لستورها ، فرُبَّ آيةٍ أقمت فِي تأملها شهوراً (...) . ومن أراد تصديق ذلك فليتأمل شيئاً من الآيات قبل أن ينظر ما قلته ، ثم لينظره ، يظهر له مقدار ما تعبت ، وما حصل لي من قِبَل الله من العون ، سواء كان ظهر له وجه كذلك عند تأمله أو لا ! )) .. ثم يرجع بالثناء على كتابه بقوله: .. ولا تنكشف هذه الأغراض إلا لمن خاض غمرة هذا الكتاب ، وصار من أوله وآخره وأثنائه على ثقةٍ وصواب .. وما يذكَّر إلا أولو الألباب ! )) (2) .
* هذا جواب قوله: (( فإذا استعان بالله .. ) ).
(1) نظم الدرر ، 1/12
(2) السابق ، 1/14 ، 15 .