ذلك وأن من أدلة إعجاز هذا الكتاب الكريم أن يخطئ الناس فِي بعض تفسيره على اختلاف العصور ، لضعف وسائلهم العلمية ولقصَر حبالهم أن تعلقَ بأطراف السماوات أو تحيطَ بالأرض ، ثم تصيب الطبيعة نفسها فِي كشف معانيه ؛ فكلما تقدم النظر ، وجمعت العلوم ، ونازعت
إلى الكشف والاختراع ، واستكملت آلات البحث ، ظهرت حقائقه الطبيعية ناصعة حتى كأنه غاية لا يزال عقل الإنسان يَقطَعُ إليها ، حتى كأن تلك الآلات حينما توجَّه لآيات السماء والأرض توجه
لآيات القرآن أيضاً (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21) .
ذلك هو الأمرُ فِي العلوم الألى (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) .
سرائر القرآن
بعد أن صدرت الطبعة الأولى من كتابنا هذا خرج فِي الآستانة القديمة . . كتاب جليل للقائد العظيم والعالم الرياضي الفلكي المشهور الغازي أحمد مختار باشا رحمه الله ، أسماه (سرائر القرآن) وبناه على سبعين آية من كتاب الله تعالى فسَّرها بآخر ما انتهى إليه العلم الحديث في
الطبيعة والفلك ، فإذا هي فِي القرآن منْطَبق السماء عن نفسها ، لا يتكذَّبُ ولا يَزيغ ولا يلتوي ،
وإذا هي تثبت أن هذا الكتاب الكريم سبقَ العقلَ الإنساني ومخترعاته بأربعة عشر قرناً إلى زمننا ،
وما ذاك إلا فصل من الدهر ، وستعقبه فصول بعد فصول .
ومعلوم أن الزمن تقسيم إنساني محض يلائم وجود الإنسان وفناءه عن هذه الأرض المحدودة بمادتها وأجلها ، وإلا فليس فِي الحقيقة أزمان تبتدئ أو تنتهي ، فإذا ثبت للقرآن المجيد سبقه ما تتوهمه زمناً وتقدمهُ حدوداً من آخر حدود العقل الإنساني ، على حين أنه أنزل فِي حدود
غيرها بعيدة ضعيفة لا علم فيها ولا آلات علم - فحسبك بذلك وحده برهاناً على أن هذا الكتاب