تومئ إلى حقائق العلوم وإن لم تبسط من أنبائها ، وتدل عليها وإن لم تسمها بأسمائها ، بلى وإن فِي هذه العلوم الحديثة على اختلافها لعَوناً على تفسير بعض معاني القرآن والكشفِ عن حقائقه ،
وإن فيها لجِمَاماً ودُرْبة لمن يتعاطى ذلك ؛ يُحكِمُ بها من الصواب ناحية ، وُيحرز من الرأي جانباً ؛
وهي تَفتِق لها الذهن ، وتؤاتيه بالمعرفة الصحيحة على ما يأخذ فيه ، وتُخرج له البرهانَ وإن كان في
طبقات الأرض ، وتنزل عليه الحجة وإن كانت فِي طباق السماء .
ولا جَرَمَ أن هذه العلوم ستدفع بعد تمحيصها واتصال آثارها الصحيحة بالنفوس الإنسانية إلى غاية واحدة ، وهي تحقيق الإسلام ، وأنه الحق الذي لا مرية فيه ، وأنه فِطرةُ الله التي فطر الناس
عليها ، وأنه لذلك هو الدين الطبيعي للإنسانية ؛ وسيكون العقلُ الإنساني آخر نبي فِي الأرض ، لأن
الذي جاء بالقرآن كان آخر الأنبياء من الناس ، إذ جاءهم بهذا الدين الكامل ، ولا حاجة بالكمال الإنساني لغير العقول ينبه إليه بعضها بعضاً ، ومن لا يُجب داعي الله فليس بمعجز فِي الأرض! .
وقد أشار القرآن إلى نشأة هذه العلوم وإلى تمحيصها وغايتها على ما وصفناه آنفاً ، وذلك قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53) .
ولو جمعتَ أنواع العلوم الإنسانية كلها ما خرجت فِي معانيها من قوله
تعالى: (فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) هذه آفاق ، وهذه آفاق أخرى ، فإن لم يكن هذا التعبير من الإعجاز الظاهر بداهة فليس يصح فِي الأفهام شيء .