جملة من الأزَل تحولت فِي معنى ومنطق ، وجاءت لغرض وغاية ، ولامَسَت الناس لتكون فيهم سبباً لرسوخ الإيمان ، ثم نظاماً للإيمان نفسه ، ومتى رسخ الإيمان فقد رسخ العالم كله فِي النفس الإنسانية .
وهذا عندنا من بعض السر فيما جاء فِي الكتاب الكريم من آيات السماوات والأرض والنظر والاستدلال ، ومن طُرق التعبير ، التعبير النفسي بالأمثال والقصص ونحوها .
ثم إن فِي ذكر الآيات الكونية والعلمية فِي القرآن دليلاً على إعجاز آخر فهو بذلك يومئ إلى أن الزمن متجه فِي سيره إلى الجهة العلمية القائمة على البحث والدليل ، وأن الإنسانية ذاهبة في
أرقى عصورها إلى هذا المذهب ، وأن الدين سيكون عقلياً ، وأن العقل هو آخر أنبياء الأرض ،
فوجود ذلك فيه قبل أن يوجد ذلك فِي الزمن بأربعة عشر قرناً ، شهادة ناطقة من الغيب لا يبقى عليها موضع شبهة ، فإن أسفر الصبح وبقي بعض الناس نياماً لا يرونه وقد ملأ الدنيا فذلك من عَمَى النوم فِي أعينهم .
وآخرون لا يرونه من نوم العمى فِي أعينهم والصبح فوق هؤلاء وهؤلاء .
فـ (مَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) .
قال الغازي فِي مقدمة كتابه:"وفي القرآن غير ما يكفل للهيئة الاجتماعية سعادتها وسلامتها فِي معاشها ومعادها مما حواه من الدساتير الأخلاقية والقضائية والإدارية والسياسية وعظةِ الأمثال والقصص - فيه إشارات وآيات بينات فِي مسائل ما برحت العلوم الطبيعية تحاول الكشف"
عن كنهها منذ عصور ، ولا سيما فِي علم التكوين والتخريب (القيامة) الذي دل الآن بنظريات
الإخصائيين من علماء الفلك ومباحثهم ومشاهداتهم فِي طور التقدم والارتقاء وإنك لا تكاد تقلب من المصحف الشريف بضع صفحات حتى تجد آية فِي أسرار الكائنات وأحوال السماء منظومة فِي نسَقها بمناسبة من أبدع المناسبات .