سلامة النفس ورحْب الذرع وإخلاص الطويةِ وصدقِ اللسان والقلب وضروب من الآداب كثيرة
ما لم نر بعضَه ولا الخالصَ من بعضه فِي العلماء عامتهم أو أكثرهم ؛ وإنَّما (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(23) .
وقِوام الإنساية فِي رأينا بثلاث ، هي جملة ما ترمي إليه آدابُ القرآن:
الأولى: تعيين النسبة الصحيحة فِي المساواة بين الإنسان والإنسان ، حتى لا تكون القوة والضعف والسيادة والتعبد ونحوها من عوارض الاجتماع فاصلةً فاصلاً طبيعياً بين فردٍ وفردٍ ، وبين أُمة وأُخرى ، فتقسم هذا الجنس أنواعاً متباينة بطبيعتها ، ثم ينشق النوع إلى أجناس ، ثم كل جنس
بعد ذلك إلى أنواع ، ويعمل الزمن عمله فِي تمكين هذه الطباع بالوراثة ، وفي توكيدها بما يستحدثه نظامُ الاجتماع فِي القبائل والشعوب ، فإذا الأرض بعد ذلك غير الأرض ، وإذا الإنسانُ مع تقادم
الدهر غير الإنسان ، وإذا طبيعة ليس فيها لتنازع البقاء غير معنى واحد معكوس ، وهو بقاء التنازع ...
الثانية: حياطة هذه النسبة الإنسانية فيما يُبتلى به الإنسان من الخير والشر فتنة ، حتى لا يَحيف القوي ولا يَستيئسَ الضعيف ، ولتنصرف رغائب الأمم على تباينها فِي السياسة إلى جهة من هذه النسبة المعينة ، فلا تكون وقائع السياسة وأحداث الاجتماع ، وما إليها من الهزَاهزِ ، كالحروب
ونحوها ، إلا عملاً إنسانياً يُبتَغى به دفعُ اعتداء وإقرارُ حق ورد باطل وتقويم زيغ ، إلى أمثالها مما
هو فِي حدود المَرحَمَة والمَبرة ، وليس يعدو بحال من الأحوال أن يكون وسيلة من وسائل الزجر والتأديب ، إذ قد خلا من ابتغاء الهَلكة ورغبة الفناء وإبادة الخضراء ، وبَرئَ من معايب هذه
السياسة الحيوانية التي لا تقوم لها قائمة إلا باعتراض الغفلة وانتهاز الضعف وبالكيد والمخاتلة ،