وتنزَّه مع ذلك عن دناءة المقصد وسفال الغاية وسوء الذريعة، وعن الخبث الإنساني فِي الجملة.
الثالثة: حد هذه النسبة فِي الإنسان بالقياس إلى القوة الأزلية، حتى يتحقق معنى المساواة فيها، فإن كل ما هو أدنى فهو سواة فِي النسبة إلى ما هو أعلى وإن اختلف مع ذلك فِي نفسه وبان بعضه من بعض. ولولا هذا الحد لما أمكن أن يجمع الناس على آداب يكون من غايتها أن تحوط
الإنسانية فيهم، إذ يُبعدون هذه الإنسانية من قلوبهم إلى ما وراء إنكارها والتكذيب لها، فلا يبقى
لآدابها وجه تعتبرُ منه أو يؤخذ به فِي أمرها، ومن ثَم لا تكون الإنسانية إلا الغِلظة والفظاظة فِي الأقوياء، وإلا الذلة والمسكنة فِي الضعفاء، وتكون كل ذرة تسقط على الأرض من نعل القوي
تفتح فِي الأرض قبراً لرجل ضعيف، فلا تعمل فِي العمران يومئذ إلا آلات الهلاك والدمار، حتى
يبقى الإنسان من الدنيا كأنه فِي جَهنم لا يموت فيها ولا يحيا ولذا كانت الأديان الإلهية كلها متفقة فِي حد هذه النسبة التي أشرنا إليها، بل كان هذا الحد أساس الاعتقاد فِي جميعها، لأنه أساس كل نظام إنساني فِي الأرض.
وهذه الثلاثُ فإنما هي جماعُ ما تقول به الإنسانية المحضة فِي صفاتها الإلهية التي هي غريزة النفس وصِلة ما بين المخلوق والخالق، ولذا أمكن أن تكون
(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)
وأن تكون من آداب كل عصر وجيل، لا تعترضُها حدودُ الزمن؛ ولا ينال منها تقلب الأيام؛ ولا تغادِر الدهرَ أن يراها الإنسان من نفسه بحيث وضعها الله، وهي بعدُ أمهات الفضائل وأصلها الذي تنشق منه.
وقد نرى هذه الفضائل الاجتماعية على اختلافها أطوار الناس، على تفاوتِ مقاديرها فيهم، كيف تلتقي إلى هذه الثلاث؛ وكيف تدور عليها حتى لا يُقطع على الرذيلة بانها رذيلة إلا إذا كانت