لا جَرمَ كانت هذه علة العلل فِي أن القرآن الكريم لم يعد له من الأثر فِي أنفس أهله ما كان له من قبل ، ولا بعض ما كان له ؛ إذ لم يتدبروه بمثل القرائح التي أنزل عليها ، أو بقريب منها في
الذوق والفهم والبصر بمواقع الكلام ، ولم يجروه من ذلك على حقه ، بل أصبحوا لا يَستَحون من الله أن يجعلوا قراءةَ كتابه ضرباً من العبادة اللفظية يَرجون عند الله حسابها ؛ ويبتغون فِي الأعمال
ثوابها ، ولا يشكون أنهم يستفتحون يوم القيامة بابَها ، على أنهم
(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(9) .
ذلك وجه الإعجاز الأدبي فِي القرآن ، وهو متصل باللغة اتصالاً سببياً كما رأيتَ ؛ ثم هو
وراء الجنسية العربية التي بسطنا القولَ فيها ؛ لأنه تحقيق تلك العصبية الروحية ، أما حقيقة
الإعجاز مما يتعلق بجال الآداب نفسها وكونها آدابَ الفطرة المحضة التي تماد الزمن لأنها من الإنسانية ، ولأنها فَصل ما بين الإنسان فِي حيوانيته وبين هذا الحيوان الناطق فِي إنسانيته ؛ فالقرآن
كله برهان هذه الحقيقة ، ونحنُ ملمون بها إلماماً على ما بنا من الضعف ، وعلى ما بها من القوة
وعلى أنه ينبغي أن تكون الإفاضة فيها غرضَ كتاب برأسه فِي بيان ما هي الجهات المتقابلةُ في
علوم التربية والاجتماع وفلسفة الشرائع ، فإن هذه العلوم بما انتهت إليه وعلى جملتها وتفصيلها
ليست إلا شروحاً مبسوطة للمبادئ القليلة التي هي ملاكُ الآداب ، والتي حصرها القرآن حصراً محكماً .
وجاء بها على سَردها وجهاتها ، كما يتبين ذلك من يقرؤه قراءةَ بحث وتأمل ؛ ومن زَعم أن هذه الآداب علم أو هي تكون علماً فلا يقصر سبيلَ الحجة إليه طولُ الخصومة فِي زعمه مهما أطلنا ؛ فإن أصل الأمر فِي الآداب حالة النفس لا حالة العقل ؛ وكم رأينا فِي أجهل الناس من