نفسها ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، ولأن قابل الكمال لا يكون فِي نفسه حداً للكمال ، ومن أجل
هذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أنه أفصح ذي لسان وأبلغُ ذي لبٍّ ، لا يقاس كلامه بالقرآن ، ولا يقع
منه إلا كما يقع سائر الكلام ، مع أنه بين كلام الناس الغاية التي ليس بعدها ما يقال فيه إنه بعدها ،
كما ستقف عليه فِي موضعه .
فيلزم من ذلك أن يكونَ القياس الذي أشرنا إليه أمراً فوق الطبيعة وليس فوقها الا أمر الله ، وهو القائل عز وجل:
(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) .
وينبغي لك أن تطيل النظر فِي قوله تعالى: (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) وتقف على موقع هذا الفصل من الآية ، وتتأمل لفظة (العِوَج) فضل تأمل ، فإنك لا تثير دفائنها البيانية إلا إذا حملتها على ما ذهبنا إليه .
فتراها تصف القرآن بأنه فطرةُ هذه الفطرة العربية نفسها . وإنها لكلمة من الوصف الإلهي ترجح فِي موقعها بالكلام الإنساني كله .
فقد وضح لك أنه لولا القرآن وأسراره البيانية ما اجتمع العرب على لغته ، ولو لم يجتمعوا لتبدَّلت لغاتهم بالاختلاط الذي وقع ولم يكن منه بد ، حتى تنتقض الفطرة وتختبل الطباع ، ثم يكون مصير هذه اللغات إلى العفاء لا محالة ، إذ لا يخلفهم عليها إلا من هو أشد منهم اختلاطاً
وأكثرُ فساداً ، وهكذا يتسلسل الأمر حتى تستبهِم العربية فلا تبِين - وهي أفصح اللغات - إلا بضرب
من إشارة الآثار ، وتنزل منزلة هذا (الهير غليف) الذي قبره المصريون فِي الأحجارِ وأحيَته هذه الأحجار .
وذلك ، معنى من أبين معاني الإعجاز ، إذ لا تجده اتفق فِي لغة من لغات الأرض غير العربية ، وهو لم يتفق لها إلا بالقرآن ، ولقد كان أسلوبه البياني الذي جمع له العرب هو الذي