فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 6880 من 466147

اقتضى ما أحدثه العلماء بعد ذلك من تتبع اللغات وتدوينها ورواية شواهدها ، والتحفُلِ لها ؛ فكان صنيعهم صلة بين اللغة وبين العلوم التي أفرغت عليها من بعد ، لأن لغة من اللغات لا تحيا ولا

تموت إلا بحسب اتصالها بمادة العلم الذي به حياة أهلها وموتهم ، وهي لا يلبسها العلم إلا إذا كانت قشيبة محكمة ، لا تضيق عن أنواعه وفروعه ولا يخلقها الاستعمال .

وإنما شباب هذه الحياة اللغوية أن تكون اللغة لينة شديدة كما يكون كمال الإنسان بقوة الخلق والخلق: وهذا وجه لو لم يقمها عليه القرآن لما استقامت أبداً ، ولا وقفت على طريقه ، ولا

تلاقى فيه آخرها باولها ، لما أومأنا إليه .

وسنزيد هذا لمعنى بياناً إن شاء الله .

ويبقى وجه آخر من تأثير القرآن فِي اللغة ، وهو إقامة أدائها على الوجه الذي نطقوا به ،

وتيسير ذلك لأهلها فِي كل عصر ، وإن ضعفت الأصول واضطربت الفروع ، بحيث لولا هذا الكتاب الكريم لما وجد على الأرض أسود ولا أحمر يعرف اليوم ولا قبل اليوم كيف كانت تنطق

العرب بألسنتها وكيف تقيم أحرفها وتحقق مخارجها .

وهذا أمر يكون فِي ذهابه ذهاب البيان العربي جملتِه أو عامته ، لأن مبناه على أجراس الحروف واتساقها ، ومداره على الوجه الذي تؤدى به الألفاظ ، وأنت قد ترى الضعفاء الذين لا يحكِمون منطقَهم وما يصنعون بالأساليب المدمَجة والفِقر المتوثقة إذا هم تعاطوها فنطقوا بها ،

حتى ليصير معهم أجود الكلام فِي جزالته وقوة أسرِه وصلابة معجمِهِ إلى الفسولة والضعفِ ، وإلى البرد والغثاثةِ ، كأنما يموت فِي ألسنتهم موتاً لا رحمة فيه . .

لا جَرَم أن اللغة التي يذهب منها ذلك لا ينطق بها إلا على الحكاية السقيمة ، ولا جرم أن بعض السقم يدفع إلى بعضه ، وأن جملة ذلك تفضي إلى الموت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت