فهذه معافي سامية غريبة انفردت بها العربية ، ولولا القرآن ما كانت فيها وما ينبغي لها بكلام غيره ؛ إذ ليس فِي غيره ما يبلغ أن يكون حداً للكمال اللغوي فِي الفطرة ، فيتعلق بمثل أثره فِي العرب وأحوالهم وتاريخهم ، أو يقع من ذلك على مقدار مقسوم ، أو يكون له فيه حق معلوم .
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَؤ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88) .
صدق الله العظيم ، ومن أصدق من اللهِ قيلا ؟!! .
الجنسيَّة العربية فِي القرآن
لك بعض ما تناصرت عليه الأدلة واجتمعت على صحته ، من تأثير القرآن فِي اللغة وما أصلح الله لأهلها فِي هذه البقية ، حفظاً لكتابه ، وإظهاراً لوجه من وجوه إعجازه الخالدة ؛ ولكن
هذا القرآن يهدي للتي هي أقومُ . وحسبه معجزة ما تقول فيه من صفة الجنسية العربية التي جعل
الأمم أحجاراً فِي بنائها والدهرَ على تقادُمه كأنه أحد أبنائها ، وأقام منها مغضلة سياسية ، في
الأرض وضعها ونقدها ، وفي السماء حلها وعقدها ، وشَد بها المسلمين فهم إذا ائتلفوا انضموا
كالبنيان المرصوص ، وإذا تفرقوا سطعوا فِي تيجان الممالك كالفصوص ، وما إن يزالوا فِي التاريخ
مرةَ أضوله ، ومرة فصوله ، وإن لم يقوموا أحياناً بالدين ، قام بهم هذا الدينُ إلى حين ، وكيف وقد
جمعهم الكتاب الذي أُنزل من السماء فكان مثال آدابها ، وانتشر فِي الأرض فكان خلعة شبابها ،
ودعا إليه الناس على اختلافهم فكأنما (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) .
ونحن فقد نعلم أن هذه المعجزة ليست إلى اللغة فِي مَرَدها من الفائدة ، فإنما هي ترمي إلى وحدة سياسية تكون كالنبض لقلب هذا العالم كما سيأتيك . بيَد أن سبيل ذلك من اللغة ، فإن