فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 6882 من 466147

القرآن تنزلَ من العرب منزلة الفطرة اللغوية التي يساهم فيها كل عربي بمقدار ما تهيأ له من أسبابها الطبيعية ، إذ كان بما احتواه من الأساليب ، وما تناوله من أصول الكمال اللغوي ، وما دار عليه من

وجوه الوضع البياني - قد هَتَك الحوائل ومحا الفرق التي تبين قرائح العرب اللغوية بعضها من

بعض ، فاجتمعت منه على الكمال الذي كانت تتخيله ولا تألو عما يدنيها إليه معالجة واكتساباً ؛

ولو أنهم تمالأوا طوالَ الدهر على أن يهذبوا من لغتهم ليبلغوا بها مبلغ الكمال الوضعي ، على النحو الذي جاء به القرآن ، لما ازدادوا إلا تعادياً فِي الرأي ؛ وتباعداً عما يجنحون إليه إذ تنزع كل

فطرة إلى منزعها فِي كل قبيل ، فيزيد الناقص منهم نقصاً فطرياً وهو يحسبه كمالاً ، ويبعد الكامل

عن حقيقة ما يلتمسه من الكمال بعد أن يرى غيره قد حسبه نقصاً ، لأن الفطرة لا تنقاد إلا بالإذعان ، ولا تذعن إلا لما يكون فِي حد كمالها المطلق ، وليس فِي تاريخ العرب اللغوي من

ذلك بالتحقيق قبلَ القرآن ولا بعده غير القرآن .

تلك سياسة هذا القرآن: جمع العرب لمذهب الأقدار وتصاريف التاريخ . رأى ألسنتهم تقود أرواحهم ، فقادهم من ألسنتهم وبذلك نزل منهم منزلة الفطرة الغالبة التي تستبد بالتكوين العقلي فِي كل أمة .

فتجعل الأمة كأنما تحمل من هذا العقل مفتاحَ الباب الذي تلج منه إلى مستقبلها ؛ فإن كل

أمة تستفيد عقلها الحاضر من ماضيها ، لتفيد مستقبلها من هذا العقل بعينه ، فلما استقاموا له أقامهم

على طريق التاريخ التي مرَّت فيها الأمم ، وطرحت عليها نقائصها فكانت غبارَها ، وأقامت فضائلها فكانت آثارها ؛ فجعلوا يبنون عند كل مرحلة على أنقاض دولة دولة ، ويرفعون على أطلال كل

مذلة صولة ، ويخيطون جوانب العالم الممزق بإبر من الأسنة ، وراءها خيوط من الأعنَّة ؛ حتى

أصبح تاريخ الأرض عربياً ، وصار بعدَ الذلة والمسكنة أبيا ، واستوسَقَ لهم من الأمر ما لم تروِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت