فيه من مذاهبها دون أن يقفوا على سبيل القدرة عليه . ومن شأن الكمال المطلوب إذا هو اتفق فِي شيء من الأشياء - كهذا الكمال البياني فِي القرآن - أن يَجمع عليه طالبيه مهما فرقت بينهم الأسبابُ المتباينة ، والصفات المتعادية ؛ ولولا ذلك ما سهل أن تنقاد الجماعات فِي أصل تكوينها منذ البدء
انقياداً يكون عنه هذا الأثر الوراثي فِي طاعة الأمم لشرائعها ؛ ثم لملوكها وأمرائها ، مع ما تُسام
الأمة لذلك فِي باب من أبواب الإمرَةِ والحكم والتسلط ، كما أن من شأن النقصِ إذا تمثل فِي شيء
أن يزيد فِي تفريق من يفترقون عنه إذا توهموه ، حتى تتسعَ بينه وبينهم الغاية .
وقد كان العرب على حال يتوهم فيها كل قبيل منهم أنه أسلمُ فطرة فِي اللغة وأبينُ مذهباً فِي البيان ، لأنهم لا يجدون من ذلك إلا أمثلة ترجع إلى الفطرة وتختلف باختلافها ، ولا يجدون
المثال الفطري الكامل الذي تُقاس إليه القدرةُ والعجزُ فِي ذلك قياساً لا يلتاث ولا يختلف ، ولا يحط من صنف حَقه أن يزاد فيه ، ولا يزيد فِي صنف حَقه أن يحط منه .
ومن أعضل الأمور وأشدها التباساً أن يكون أمرؤ من الناس قادراً على أن يقيس ببيانه ، أو علمه بمذاهب البيان - قدرة أقوام وعجزهم فِي أمر معنوي كاللغة ، متى كانت مذاهبهم إلى أنواع
من الاختلاف فِي القدرة والعجز ، وخاصة إذا كان أمر اللغة فيهم إلى السليقة والفطرة ، فإن من ينتصب لذلك وإن أرادَ أن يَسقط ، وحاول أن لا يحول - فهو لا بد مخطئ تعيين المراتِب في
المقدار الفاضل ، وتعيين ما يقابلها فِي المقدار المفضول ، ثم مخطئ فِي تمييل الحكم بين المقدارين ، ولا يجيء من رأيه إلا بما تعرض فيه الخصومة أو تطول ، لأن قياس مثل ذلك من الفطرة لا يتهيأ إلا بعمل يحتوي كل دقائقها وما يمكن أن تبلغ إليه من الكمال المطلق الذي هو
الحدّ الأعلى فِي طبيعة تركيبها ، ومثل هذا لا يكون ألبتة من إنسان ينزل على حكم هذه الفطرة