أما المعاني والبيان فإنه علم حادث بعد انقضاء عهد الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - فما يكون منه مفهوم فِي عرف جمهور العرب الأولين فهو على الرأس والعين ، وأما الدقائق والأمور الفنية التي لا يدركها إلا المتعمقون فِي علم المعاني والبيان ، فلا نسلم بأنها مطلوبة فِي فهم القرآن.
إشارات الصوفية:
وأما إشارات الصوفية واعتباراتهم ، فإنها فِي حقيقة الأمر ليست من علم التفسير ، بل الواقع أنه تمر حال استماع القرآن الكريم خواطر على قلب السالك وتتكشف له أشياء ، تنشأ من تفكيره فِي النظم القرآني ، أو الحالة التي يتصف بها ، أو المعرفة التي يملكها (فهي أمور وجدانية ذوقية لا تفسير للآيات القرآنية) ومثال ذلك ، أن يسمع عاشق متيم قصة ليلى ومجنون ، فيتذكر عشيقته ، ويستعيد الذكريات التي بينها وبينه.
الاعتبار والاستشهاد:
وهنا فائدة مهمة ينبغي الاطلاع عليها ، وهي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اهتم بفن الاعتبار والاستشهاد ، وسلك منهجه وطريقه ليكون سنة لعلماء أمته وفتحاً لباب العلوم الوهبية التي خصوا بها.
من أمثلة ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - تمثل بقوله - تعالى - {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} فِي مسألة القدر ، مع أن منطوق الآية هو أن كل من يعمل هذه الأعمال فسنجازيه بالجنة والنعيم المقيم ، وكل من يعمل بضد هذه الأعمال ، فسوف نعذبه ونصليه الجحيم ، إلا أنه عن طريق الاعتبار يمكن أن يعلم به أن الله - عز وجل - خلق كل شخص لعمل وحالة ، وهي الحالة التي تجري عليه ويسر لها من حيث يدري أو لا يدري ، فمن هنا وبهذا الاعتبار كان لهذه الآية الكريمة ارتباط بقضية القدر.