وقيل: إن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد، وطلب الرياسة، ومن كان كذلك .. كان شديد العداوة لغيره، وأما النصارى: فإن فيهم من هو معرض عن الدنيا ولذاتها، وترك طلب الرياسة، ومن كان كذلك .. فإنه لا يحسد أحدًا، ولا يعاديه، بل يكون ألين عريكة - أخلاقًا - في طلب الحق
{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... (91) }
فإن قلتَ: لِمَ جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام في الآية الأولى، ثم أفرد الخمر والميسر في هذه الآية؟
قلتُ: لأن الخطاب مع المؤمنين بدليل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، والمقصود نهيهم عن شرب الخمر واللعب بالقمار، وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر في الآية الأولى؛ لتأكيد تحريم الخمر والميسر، فلما كان المقصود من الآية النهي عن شرب الخمر والميسر لا جرم .. أفردهما بالذكر في الآية الثانية، والله أعلم.
{عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) }
فإن قلتَ: إن العفو فرع المعصية، وهي تحصل باشتغال المحرم بقتل الصيد بعد نزول آية التحريم، فما معنى العفو عن قتل الصيد قبل تحريمه المفهوم من قوله: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} ؟
قلتُ: إن المراد بالعفو هنا مجرد عدم المؤاخذة على ما سلف، فلا يرد السؤال المذكور، أفاده الكرخي.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ... (105) }
فإن قلت: هل يدل ظاهر هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
قلتُ: لا يدل على ذلك، والذي عليه أكثر الناس أن المطيع لربه عَزَّ وَجَلَّ لا يكون مؤاخذًا بذنوب أصحاب المعاصي، فأمَّا وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فثابت بدليل الكتاب والسنة.
عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} .