وَإِذَا كَانَ ابْنُ نُوحٍ الْكَافِرُ غَرِقَ فَكَيْفَ يَبْقَى عَوْجُ بْنُ عُنُقَ وَهُوَ كَافِرٌ وَلَدُ زَنْيَةٍ؟ هَذَا لَا يَسُوغُ فِي عَقْلٍ وَلَا شَرْعٍ، ثُمَّ فِي وُجُودِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ عوج ابن عُنُقَ نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
قُلْتُ: لَمْ يَأْتِ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ مَا يَقْتَضِي تَطْوِيلُ الْكَلَامِ فِي شَأْنِهِ، وَمَا هَذَا بِأَوَّلِ كِذْبَةٍ اشْتُهِرَتْ فِي النَّاسِ، وَلَسْنَا بِمَلْزُومِينَ بِدَفْعِ الْأَكَاذِيبِ الَّتِي وَضَعَهَا الْقَصَّاصُ وَنَفَقَتْ عِنْدَ مَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ، فَكَمْ فِي بُطُونِ دَفَاتِرِ التَّفَاسِيرِ مِنْ أَكَاذِيبَ وَبَلَايَا وَأَقَاصِيصَ كُلِّهَا حَدِيثُ خُرَافَةٍ، وَمَا أَحَقَّ مَنْ لَا تَمْيِيزَ عِنْدِهِ لِفَنِّ الرِّوَايَةِ وَلَا مَعْرِفَةَ بِهِ أَنْ يَدَعَ التَّعَرُّضَ لِتَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ، وَيَضَعَ هَذِهِ الْحَمَاقَاتِ وَالْأُضْحُوكَاتِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُنَاسِبَةِ لَهَا مِنْ كُتُبَ الْقَصَّاصِ.
(قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27)
اسْتِئْنَافٌ كَالْأَوَّلِ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَاذَا قَالَ الَّذِي تُقُبِّلَ قُرْبَانُهُ؟
وَإِنَّمَا لِلْحَصْرِ: أَيْ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ الْقُرْبَانَ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِأَخِيهِ: إِنَّمَا أُتِيتَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ لَا مِنْ قِبَلِي، فَإِنَّ عَدَمَ تَقَبُّلِ قُرْبَانِكَ بِسَبَبِ عَدَمِ تَقْوَاكَ.
(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ...(32)