قوله: {مِّن الْعَالَمِينَ} أي مطلقاً، لأن فلق البحر والمن والسلوى لم يكن لأحد غيرهم، ولا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا حاجة هنا للتأويل بعالمي زمانهم.
قوله: (من المن والسلوى) بيان لما.
«إن قلت» : إن هذه المقالة وقعت حين أخذ الميثاق عليهم في قتال الجبارين، فلا يظهر قول المفسر من المن والسلوى، لأنه لم ينزل عليهم إلا في التيه، وذلك بعد توجههم من مصر لقتال الجبارين، فحينئذٍ كان المناسب للمفسر أن يقول من النبوة والملك وفلق البحر، وقد يجاب: بأنه لا مانع من ذكر هذه الكلمة في التيه أيضاً.
{يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}
قوله: (المطهرة) إنما سميت مطهرة لسكنى الأنبياء المطهرين فيها، فشرفت وطهرت بهم، فالظرف طاب بالمظروف.
«إن قلت» : إن الجبارين كانوا فيها وهم غير مطهرين
أجيب: بأن الخير يغلب الشر، والنور يغلب الظلمة.
{قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي}
قوله: (لا أملك غيرهما)
«إن قلت» : إن يوشع وكالب كانا في طاعته أيضاً؟
أجيب بأنه لم يثق بهما.
قوله: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي}
هذا تخويف من هابيل لقابيل لعله ينزجر.
«إن قلت» : إنه لا تحل إرادة المعصية من الغير؟
أجيب بأجوبة منها: أن الهمزة محذوفة والاستفهام للإنكار. والأصل إني أريد، والمعنى لا أريد، ويؤيده هذا قراءة (أنى) بفتح النون بمعنى كيف. ومنها: أن لا محذوفة أي أن لا تبوء على حد:
{إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ} [فاطر: 41] .
{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ}
واعلم أن معاملة الله للمؤمنين بالفضل إعطاء أو منعاً، لأنه ما منعهم عطاء الدنيا إلا لكونه ادخر لهم ما هو أعظم منه في الآخرة، وأما معاملته للكفار، فبالفضل عند الإعطاء، وبالعدل عند المنع، يكون لأحد حق عليه.
قوله: (وثني اليد الخ) أي فذكر اليدين مشاكلة، والتثنية كناية عن كثرة العطاء، لكن على مراده هو، لا على مراد عبيده، لأنه ليس لأحد حق عليه يطلبه منه، ثم في إطلاق اليد على الله طريقتان: طريقة السلف أن اليد صفة من صفاته أزلية، كالسمع والبصر، ينشأ عنها الخير لا الشر، فهي أخص من القدرة، لأن القدرة ينشأ عنها جميع الممكنات، إيجاداً وإعداماً، خيراً أو شراً، ولا يعلمها إلا هو، ويشهد لما قلنا.