{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) }
«فَإِنْ قِيلَ» : كيْفَ الجَمْعُ بين هذه الآية وبين ما رُوِيَ أنَّه شُجَّ في وجْهِه يوم أحد وكسرت رَبَاعِيَّتُهُ، وأوذي بِضُرُوبٍ من الأذَى؟
فالجَوابُ من وجوه:
فقيل: يَعْصِمُك من القَتْلِ، فلا يَصِلُوا إلى قَتْلِك.
وقيل: نزلَتْ هذه الآية بعدمَا شُجَّ رَأسُهُ يَوْم أُحُدٍ؛ لأنَّ سورة المائدة من آخر ما نزل من القُرْآن.
والمُراد ب (النَّاس) هاهنا: الكفار لقوله: {إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين} .
وعن أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه:
«كان رسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - يَحْرُسُه سَعْدٌ وحُذَيْفَة حتى نَزَلتْ هذه الآية، فأخْرَجَ رَأسَهُ مِنْ قُبَّةِ أديمٍ فقال: «انْصَرِفُوا أيُّهَا النَّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي مِنَ النَّاسِ» .
وقيل: المُراد والله يَخُصُّكَ بالعِصْمَة من بين النَّاسِ؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - معصُومٌ.
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) }
قرأ الجمهور: «والصَّابئُونَ» بالواو، وكذلك هو في مصاحِفِ الأمْصَار، وفي رفعه تسعة أوجه:
أحدها: وهو قول جمهورِ أهلِ البصرة: الخليل وسيبويه وأتباعهما أنه مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ؛ لدلالةِ خبر الأول عليه، والنيةُ به التأخيرُ، والتقديرُ: إنَّ الذينَ آمَنُوا والذينَ هَادُوا مَنْ آمَنَ منهم إلى آخره والصَّابِئُونَ كذلك، ونحوه: «إنَّ زَيْداً وعمرٌو قائمٌ» ، أي: إنَّ زَيْداً قائِم وعمرٌو قائمٌ، فإذا فعَلْنا ذلك، فهل الحذفُ من الأول أي: يكونُ خبرُ الثاني مثبتاً، والتقديرُ: إنَّ زَيْداً قائِمٌ وعمرٌو قائمٌ، فحذف «قائمٌ» الأول، أو بالعكس؟
قولان مشهوران، وقد وَرَد كلٌّ منهما؛ قال: [المنسرح]