«فَإِنْ قِيلَ» : قالوا: هذه الآية نَاسِخَةٌ للتَّخْيِير في قوله: {فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ} [المائدة: 42] ، وأعَادَ ذِكْر الأمْر بالحُكْمِ بعد ذِكْرِه أوَّلاً: إما للتَّأكيد، وإمَّا لأنَّهما حُكْمَان أمَر بهما جَمِيعاً؛ لأنَّهمُ احْتَكموا إليه في زِنَا المُحْصَن، ثُمَّ احْتَكَمُوا إليه في قتلٍ كائنٍ فيهِم.
قوله تعالى: {واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ} قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما -: يردُّوكَ إلى أهْوائِهِم.
وقد ذكرنا أنَّ إليهُود اجْتَمَعُوا وأرادُوا إيقاعَهُ في تَحْرِيفِ دينهِ فعصمَهُ اللَّه عن ذلك، فإن كلَّ من صُرِفَ من الحقِّ إلى الباطِلِ فقد فُتِن، ومنه قولُهُ تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء: 73] والفِتْنَةُ هاهنا: المَيْلُ عن الحقِّ والإلْقَاء في الباطِل، وكان - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - يقول: «أعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا» ، قال: هو أن يَعْدِلَ عن الطَّرِيق.
قال العُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: هذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الخَطَأ والنِّسْيَان جائِزٌ على الرُّسُل؛ لأن الله قال: {واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ} ، والتَّعَمُّد في مثل هذا غير جائز على الرُّسل فلم يَبْقَ إلا الخَطَأ والنسيان.
{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) }
قال ابن الخطيب: «فَإِنْ قِيلَ» : كيف تنقم اليهود على المسلمين وكون أكثرهم فاسقين؟