وقيل: إن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار على كفرهم فقيل لهم: عليكم أنفسكم واجتهدوا في صلاحهم لا يضركم ضلال الضالين ولا جهل الجاهلين إذا كنتم مهتدين.
«فإنْ قلتَ» : هل يدل ظاهر هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
قلت: لا يدل على ذلك والذي عليه أكثر الناس أن المطيع لربه عزّ وجل لا يكون مؤاخذا بذنوب أصحاب المعاصي فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بدليل الكتاب والسنة. عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)
ولا تضعونها موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وأخرجه أبو داود زاد فيه: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ولا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب» .
وقال قوم في معنى الآية عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم.
قال ابن مسعود مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم فإن رد عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن نزل منه أي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ومنه أي وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه أي وقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير ومنه أي يقع تأويلهن في آخر الزمان ومنه أي يقع تأويلهن يوم القيامة وهو ما ذكر من الحساب والجنة والنار فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة لم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا اختلفت قلوبكم وأهواؤكم وألبستم شيعا وأذيق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية.