قلت: فائدته أن المنافقين كانوا يظهرون الإسلام ويزعمون أنهم مؤمنون، ففي هذا التكرار إخراجهم من قبيل المؤمنين فيكون معنى (إن الذين آمنوا) أي بألسنتهم لا بقلوبهم.
ثم قال: (من آمن) يعني من ثبت على إيمانه ورجع عن نفاقه منهم.
وقيل: فيه فائدة أخرى وهي أن الإيمان يدخل تحته أقسام كثيرة وأشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر ففائدة التكرار التنبيه على أشرف أقسام الإيمان هذان القسمان.
وفي قوله (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) حذف تقديره من آمن بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ منهم، وإنما حسن هذا الحذف لكونه معلوما عند السامعين، (وَعَمِلَ صالِحاً) يعني وضم إلى إيمانه العمل الصالح وهو الذي يراد به وجه الله تعالى (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) يعني في الآخرة.
(وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ(82)
«فإنْ قلتَ» : كيف مدحهم الله بذلك مع قوله (وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها) ؟
قلت: إنما مدحهم الله في مقابلة ذم اليهود ووصفهم بشدة العداوة للمؤمنين ولا يلزم من هذا القدر أن يكون مدحا على الإطلاق.
وقيل: إنما مدح من آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فوصفهم بالتمسك بدين عيسى إلى أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا به واتبعوه
«فإنْ قلتَ» : كفر النصارى أشد وأغلظ من كفر اليهود وأقبح فإن النصارى ينازعون في الإلهيات فيدعون أن لله ولدا واليهود ينازعون في النبوات فيقرون ببعض النبيين وينكرون بعضهم والأول أقبح فلم ذم اليهود ومدح النصارى؟
قلت: إنما هو مدح في مقابلة ذم وليس بمدح على الإطلاق، وقد تقدم الفرق بين شدة عداوة اليهود ولين النصارى، فلذلك ذم اليهود ومدح النصارى الذين آمنوا منهم.