وَأَمَّا قِرَاءَةُ (التَّاءِ) فَقِيلَ: الْمَعْنَى هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْأَلَ رَبَّكَ هَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ وَمُجَاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ الْقَوْمُ أَعْلَمَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَنْ يَقُولُوا (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) قَالَتْ: وَلَكِنْ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) .
وَرُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ الْحَوَارِيُّونَ لَا يَشُكُّونَ أَنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْزَالِ مَائِدَةٍ وَلَكِنْ قَالُوا: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَقْرَأَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) قَالَ مُعَاذٌ: وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِرَارًا يَقْرَأُ بِالتَّاءِ (هَلْ تَسْطِيعُ رَبَّكَ) وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى هَلْ تَسْتَدْعِي طَاعَةَ رَبِّكَ فِيمَا تَسْأَلُهُ.
وَقِيلَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَدْعُوَ رَبَّكَ أَوْ تَسْأَلَهُ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَحْذُوفٍ كَمَا قال: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ] يوسف: 82] وَعَلَى قِرَاءَةِ الْيَاءِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَذْفٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)
اخْتُلِفَ فِي وَقْتِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ فَقَالَ قَتَادَةُ وابن جريج وأكثر المفسرين: إنما يقال لَهُ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ وَقُطْرُبُ.
قَالَ لَهُ ذَلِكَ حِينَ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ النَّصَارَى فِيهِ مَا قَالَتْ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ) فَإِنَّ (إِذْ) فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِمَا مَضَى.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ مِنْ قوله: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ)
وَمَا بَعْدَهُ (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) ].
وَعَلَى هَذَا تَكُونُ (إِذْ) بِمَعْنَى (إِذَا) كَقَوْلِهِ تعالى: (وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا)
أَيْ إِذَا فَزِعُوا.
وَقَالَ أَبُو النَّجْمِ:
ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنِّي إِذْ جَزَى ... جَنَّاتِ عَدْنٍ في السماوات الْعُلَا
يَعْنِي إِذَا جَزَى.