أَيْ مَا الْمَسِيحُ وَإِنْ ظَهَرَتِ الْآيَاتُ عَلَى يَدَيْهِ فَإِنَّمَا جَاءَ بِهَا كَمَا جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ، فَإِنْ كَانَ إِلَهًا فَلْيَكُنْ كُلُّ رَسُولٍ إِلَهًا، فَهَذَا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ وَاحْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَالَغَ فِي الْحُجَّةِ فَقَالَ: (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ (كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) أَيْ أَنَّهُ مَوْلُودٌ مَرْبُوبٌ، وَمَنْ وَلَدَتْهُ النِّسَاءُ وَكَانَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ كَسَائِرِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَمْ يَدْفَعْ هَذَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَمَتَى يَصْلُحُ الْمَرْبُوبُ لِأَنْ يَكُونُ رَبًّا؟! وَقَوْلُهُمْ: كَانَ يَأْكُلُ بِنَاسُوتِهِ لَا بِلَاهُوتِهِ فَهَذَا مِنْهُمْ مَصِيرٌ إِلَى الِاخْتِلَاطِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ اخْتِلَاطُ إِلَهٍ بِغَيْرِ إِلَهٍ، وَلَوْ جَازَ اخْتِلَاطُ الْقَدِيمِ بِالْمُحْدَثِ لَجَازَ أَنْ يَصِيرَ الْقَدِيمُ مُحْدَثًا، وَلَوْ صَحَّ هَذَا فِي حَقِّ عِيسَى لَصَحَّ فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى يُقَالَ: اللَّاهُوتُ مُخَالِطٌ لِكُلِّ مُحْدَثٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: (كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) إِنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ.
وَفِي هذا دلالة عَلَى أَنَّهُمَا بَشَرَانِ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) .
قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِدِّيقَةً مَعَ كَوْنِهَا نَبِيَّةً كَإِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ مَضَى فِي (آلِ عِمْرَانَ) مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا صِدِّيقَةٌ لِكَثْرَةِ تَصْدِيقِهَا بِآيَاتِ رَبِّهَا وَتَصْدِيقِهَا وَلَدَهَا فِيمَا أَخْبَرَهَا بِهِ، عَنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ(77)
الْأَهْوَاءُ جَمْعُ هَوًى، وَسُمِّيَ الْهَوَى هَوًى لِأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ. (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: يَعْنِي الْيَهُودَ.