فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 88

وأذكر في مسيرنا إلى عنيزة أننا كلما مشينا ساعتين أو ساعة ونصف أمر الوالد السائق بالوقوف من أجل الوضوء أو نقضه أو من أجل إعداد القهوة والشاي، وكذلك من أجل إعطاء السائقين ومن معه وقتا للراحة، وأذكر أن بعض مرافقيه ممن ابتلي بشرب الدخان، ويستحيون من التدخين أمام الشيخ لعلمهم بأن الشيخ يرى تحريمه وأنه كتب في ذلك رسالة لطيفة تبين مضاره الدينية والدنيوية، كانوا يستغلون هذه الفترة، وكان رحمه الله لا يألو جهدًا في نصحهم وإقناعهم بتركه مع اللطف واللين وعدم الإكراه، وهذا من سماحته وحكمته، فله الفضل رحمه الله في هداية كثير من المدخنين.

ولما وصلنا عنيزة وكان ذلك قبل المغرب بنصف ساعة تقريبًا وجدنا جمعا غفيرا من أهل عنيزة ينتظرون وصول الوالد خارج البلد تحت الصنقر (علم مرتفع شرق عنيزة) ، فلما شاهدوا الوالد فرحوا به أشد الفرح، مع العلم بأنهم لا يعرفون متى يصل ولم يكن لديهم أخبار بموعد وصوله، لكنهم كانوا يتحرون وصوله إلى عنيزة ورجوعه من الرياض في تلك الأيام.

والعجيب من سماحة الوالد رحمه الله وسعة صدره أنه لما رجع إلى عنيزة لم يؤاخذ أو يعاتب طلبة العلم، أو من وشى به عند الملك والمشايخ أو كان سببًا في ذهابه إلى الرياض، فلم يحقد عليهم أو حتى يتكلم عنهم في مجلس من المجالس، بل كان رحمه الله يعتذر لهم ويقول: إنهم مجتهدون في رأيهم ولا يلامون على ذلك.

ولما بدأ أهل عنيزة يحتفلون بوصول الوالد وأخذ بعضهم يدعو الوالد على القهوة والشاي، كان ممن دعى الوالد إلى القهوة أحد المعارضين له ومن كان سببًا مباشرًا في إحداث الفتنة وذهابه إلى الرياض، وذلك بعد وصوله بثلاثة أيام فقبل الوالد الدعوة وذهب إليه في منزله ولم يعاتبه، وكأن شيئا لم يكن، فكان أثر تلك الزيارة عظيما على أهل عنيزة وعلى المتسببين في هذه الفتنة، حيث إن بعض محبي الشيخ أخذ يتعرض لهؤلاء الذين كانوا يعارضون الوالد، فأنهى رحمه الله الخلاف بتلك الزيارة.

وقد كتب الشيخ عبد العزيز بن عقيل رحمه الله والد الشيخ عبد الله العقيل حفظه الله الأبيات التالية، والتي تصف حال أهل عنيزة مع هذه الكربة فاخترت منها بعض الأبيات:

أحمد الله الذي أطفا سناها ... قبل أن تبلغ نفسي منتهاها

شعلة النار التي عجت بنا ... حسبنا الله على من قد بداها

كربة عمت بلادي كلها ... أظهرت منها شعورا قد تناهى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت