فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 88

ومع ذلك يركب معه كثير منا؛ لأننا نستأنس بالركوب معه، وكم مرة كسر علينا فناجين الشاهي والقهوة! وكم مرة انحرفت السيارة بنا والله لطف بنا.

الشاهد من هذه القصة أننا لما كنا في يوم من أيام عنيزة العامرة، وكنت أنا والوالد رحمه الله وبعض الزملاء جالسين بإحدى قهاوي (مجالس) عنيزة، وكنا نسولف عن طلعاتنا إلى الخيس، والمواقف المضحكة التي مرت بنا والوالد يستمع إلينا ويضحك، فذكر أحد الإخوان من زملائي -وكان الكلام موجها للوالد- قصةَ حمد القبيس وقولته المعروفة: لا أحد يركب معي إلا واحد مهفي عمره (مهدر دمه) ترى ما علي منكم؟ ثم قال: يا شيخ وش (ماذا) تقول فيه وبكلامه؟ فضحك الوالد وقال: هذا إن دل على شيء فهو دليل على ذكاء حمد وأن كلامه فيه إنذار لكم، فلو جرى على الراكبين منكم أمر سوء أو هلك أحدكم لا سمح الله فلا شيء عليه ولا يلحقه دية ولا حرج عليه لأنه أنذركم قبل ركوبكم، حتى ولو أنكم تقولون: إنه كان مازحًا بقوله.

فرحمه الله لم ينكر عليه مقولته ولم يمنعنا من الركوب معه، فجمع رحمه الله في مجلسنا هذا بين الترفيه والعلم فقد أخذنا منه فائدة وقاعدة من قواعد الفقه، فهكذا مجالسه يرحمه الله.

من صفاته الاجتماعية أنه كان لا يأنف من مخالطة الناس، وأنه كان يحرص على تلمس احتياجاتهم الظاهرة والخفية، المالية والنفسية، فتطول رعايته الكبير والصغير.

يذكر الأخ عبد الله العبد العزيز القرعاوي (كاتب عدل الخبر سابقا) أنه لما بلغه وفاة والده عبد العزيز يوم الخميس وهو بمكة المكرمة وكان يعمل عند ابن سليمان بالشؤون المالية، أنه قرر الذهاب إلى عنيزة وكان عمره يومئذ 24 سنة تقريبا، فجلس بعنيزة عند والدته إلى يوم الخميس الذي يليه، وفي ذلك اليوم توفيت والدته رحمها الله (بمرض التفوئيد) فاغتم أشد الغم لحبه لوالدته، وكانت من عادة أهل عنيزة الخروج مع أهل الميت إلى المقبرة ويتم العزاء فيها حال الدفن وبعده، أو في السوق، أو في الدكان، ويكتفون بذلك. فلما أحس الشيخ الوالد رحمه الله بحاله وقد أثر الحزن فيه لما جُمع له في ذلك الأسبوع من وفاة والديه جميعًا، خاصة وأنه شاب وفي مقتبل عمره، فخاف عليه الوالد فلم يكتف كما هي العادة بالعزاء داخل المقبرة، بل ذهب إليه في اليوم التالي هو ومرافقه المعروف أبو عبود في منزله، فجلس الوالد رحمه الله عنده، يواسيه ويترحم على والديه، وأخبره أنه رحمه الله رهن إشارته وتحت خدمته؛ جبرًا لخاطره وإذهابا لحزنه. يقول الأخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت