في النهاية وصلوا إلى محلهم في منى، وآخر من وصل سليمان البراهيم على بعير الماء، فقام إبراهيم المحمد البسام يهوش (يلوم بعنف) مازحا سليمان البراهيم ويقول له: وينك؟ ليش تأخرت؟ أكيد إنك ضيعت الدرب. لكن سليمان البراهيم عرف أن الوالد الشيخ رحمه الله كان أحد الضائعين، وما رجع للجماعة إلا في منى، فالتفت سليمان البراهيم إلى إبراهيم المحمد وقال له وهو يشير إلى الوالد: هذا كبيرهم الذي علمهم السحر، ضايع قبلي، ليش ماتهاوشونه (تلومونه) يا إبراهيم مثل ما هشتوني؟
قال: حنا نبي (نريد) الماء ما نبيك. فضحك الوالد وضحكوا جميعا واستأنس الوالد من كلام سليمان البراهيم، فصار يرددها عليه، ويقول له: الله يهديك يا سليمان شبهتنا بسحرة فرعون، ترى هذه تبي حق يا سليمان.
في شهر رمضان يأتي للوالد زكوات وصدقات من الناس والتجار، وهو يفرقها على الفقراء والمحتاجين حسبما يرى، وأذكر وأنا صغير يعطيني صرة فيها فلوس ويقول لي: أعط فلانا (من المحتاجين) وقل له: هذه الفلوس التي أخذها الوالد منك، يعني بذلك السلف (الدَّيْن) . وأنا أحسبها حقيقة وهي تورية، وعندما كبرت عرفت أن هؤلاء المحتاجين من كبار الحمايل في عنيزة لكنهم متعفِّفون والوالد الشيخ لا يريد أن يحرجهم، وهو رحمه الله يقدر الناس وينزلهم منازلهم، أما الناس المحتاجون من عامة الناس فيعطيهم بنفسه أو يعطي أحدا من الذين يثق بهم لكي يوصلها لهم.
اشترى الشيخ الوالد رحمه الله حمل حطب، وعادة أهل عنيزة عندنا إذا اشترى الواحد حطبًا يدخل الجمّال الحطب داخل البيت وإذا انتهى من عمله يضع له أهل البيت تمرا وماء، وإذا أكل وشرب يغلق باب البيت بقوة بقصد إخبار أهل البيت أنه خرج من البيت. في إحدى المرات لما خرج الجمال، جاء الوالد يريد إغلاق الباب عقب (بعد) الجمال فوجد الوالد بالحوش في طريقه للباب علبة عرف الوالد أنها علبة دخان طايحة (ساقطة) من الجمال، قام الوالد وأخذ العلبة وفتح الباب ونادى الجمال، وقال له الوالد: هذي لك؟ يعني بذلك علبة الدخان، قال بعد تردد: نعم هذه لي، لكنك يا شيخ تدري وش فيها (ما بداخلها) ؟ قال الوالد: نعم دخان. قال الجمال: وتعطينيها يا شيخ؟ قال الوالد: نعم؛ لأنك إذا ما لقيت العلبة سوف تشتري بقيمة الحطب الذي بعته بدلا منها وتجوّع عيالك وتحرمهم من الرزق والهادي الله سبحانه. قال له الجمال: باسم الله .. وأخذ العلبة