إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدًا. والصلاة والسلام على الهادي البشير محمد بن عبد الله سيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعدُ؛ فإن العلماء هم بقية السلف الحاملين لتراث نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، والداعين إلى سبيله المستقيم، أمضوا حياتهم كلها في ليلهم ونهارهم، وصحتهم ومرضهم، وعسرهم ويسرهم، ينشرون هذا الدين ويعلمونه للناس، فأنجبت حلقاتهم العلمية، وخطبُهم المنبرية، طلاب علم حملوا الأمانة من بعدهم، وواصلوا ما بدأه أسلافهم، وهكذا يستمر أثر السلف في خلفهم فلا ينسى، وهكذا يتتابع الأخذ والعطاء.
والشيخ العلامة الجد عبد الرحمن الناصر السعدي حلقة من حلقات هذه السلسلة الذهبية والتي مادتها القرآن والحديث والفقه والسيرة والعقيدة والأخلاق والقِيَم.
عرفَتْهُ عنيزة غلامًا يتيمًا، وطالبا مُجدًّا، وباحثًا ذكيًّا، وعرفتْه عنيزة عالمًا ربانيًّا، وعابدًا وَرِعًا، وداعيا لله، ومربيًا، وعرفتْهُ أبًا حنونًا، لا يفرِّق في الحق بين الغني والفقير، والأسود والأبيض، والكبير والصغير، فاتسعت دائرة المحبة بينه وبين الناس، وكيف لا؟ وقد اجتمعت فيه الخصال الجميلة والأخلاق السامية، فسبقت سجاياه الحميدة إلى آذان الناس مؤلفاتِهِ ورسائلَهُ؛ فأحبَّه الناسُ في مشارق الأرض ومغاربها، فلا عجب أن تجد في أطراف العالم الإسلامي من يذكر الشيخَ في مجلسه العلمي، وينصح طلابه باقتناء مؤلفاته ورسائله العلمية، وإنه لينتابك شعور غريب تُجاه الشيخ عندما تسمع في مجالس العامة ممن لم يعاصروا الشيخ، وكان بينهم وبينه عقود من السنين، من يُطري الشيخ ويذكر مآثره ومواقفه المضيئة، ويود لو أنه جالسه أو شاهده.
ولا عجب أيضًا أن ترى طلاب العلم في هذا الزمان يتسابقون إلى اقتناء مؤلفاته والسؤال عنها، ولا عجب كذلك أن تجد كبار العلماء يستدلون ويستنيرون في إصدار أحكامهم الشرعية بمؤلفاته ورسائله.
ولهذا كله كَثُرَ بين طلابه ومحبيه تناقل ترجمة الشيخ وسيرته من مولده حتى وفاته، وذِكْر طلبه للعلم وأخذه عن العلماء، إلى أن صار عالما له مؤلفاته وطلابه، وهم في هذا بين الْمُخْتصِرِ المقتصِرِ والمسهبِ المطنبِ، ومن طلبة العلم من تخصص في دراسة منهج الشيخ، ومنهم من ألف فيه المؤلفات العديدة.