للناس فقام يُحَرِّج (ينادي) بالسوق ويرفع صوته وهو يردد: من وده (يرغب) يسافر لمكة بهذه السيارة ترى فيها واحد يبي (يريد) يروح فيها وكلكم تحبونه وتحبون رفقته، وما نعلمكم باسمه ولا نعلمكم من هو هذا الرجل. وهذا من حُسن نية حمد الجبهان وسلامة قصده، لكن كل أهل عنيزة بعد ذلك عرفوا بأن الوالد يريد أن يسافر بهذه السياره. و أخذوا يتزاحمون للحجز في هذه السيارة. فلما علم الوالد بفعل حمد الجبهان ضحك من فعله و لم يعنفه ولم يلمه على فعله؛ لأنه كان مجتهدًا ويحب الخير للناس.
محمد بن منصور بن إبراهيم السعدي هو أحد أبناء عم الوالد رحمه الله ويلتقيان في الجد ناصر الأول، وهما صديقان ولدا في ليلة واحدة، لكن محمد المنصور مولود أول الليل تقريبًا و الوالد مولود عند الفجر، لذلك محمد أكبر من الوالد بثمان ساعات فقط. ولما كبرا كانت لحية الوالد بيضاء جدًّا وكانت لحية محمد المنصور سوداء قليلة البياض، فإذا اجتمع الوالد مع محمد المنصور في مناسبة أو قهوة أو دُعِيا عند أحد الأصحاب، يقول الوالد للحاضرين عنده: محمد المنصور أكبر مني بثمان. ويسكت رحمه الله وهو ما كذب، فيظن من يسمع كلام الشيخ أن محمد المنصور أكبر من الوالد بثمان سنوات، لكن الحقيقة هي ثمان ساعات فقط، والمرحوم محمد المنصور يضحك ولا يقول شيئا وهو ساكت احترامًا للشيخ الوالد، وهو يعرف أن الوالد يمزح ولم يكذب، وبعدما يتعجب الناس يضحك الوالد ويقول: ترى الصحيح محمد أكبر مني بـ ثمان ساعات فقط؟ فيضحك الجماعة وهم مستغربون من ذكاء الوالد وقدرته على التورية وجلب السرور على الموجودين.
لذلك كان الكبير والصغير والغني والفقير يأنس بالجلوس مع الشيخ الوالد، والوالد رحمه الله يتبسط لهم في مجالسهم ويظهر لهم السرور والبهجة، ولا تخلو هذه المجالس من فائدة علمية أو نصيحة شرعية.
كان رحمه الله لا يجامل في بيان الحق وتوضيحه حتى لو كان مع أقرب الأقربين له، وكان حريصًا على عدم إحراج الناس في المسائل الشخصية والنصح لهم في أمورهم الأخروية والدنيوية، خاصة أنه محبوب لدى الناس، وأنهم لا يردون له طلبًا. ففي سنة 1356 هـ أرسل له أحد أقربائه من أهل عنيزة الذين يسكنون الهند ولده الأكبر، وكان عمره في حدود التاسعة عشرة سنة، وكان