فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 88

ولم يشره عليها (يعتب عليها) أو يذكر لها أنه تردد عليها أكثر من مرة حتى لا يضيق صدرها وتحزن لذلك، وهذا من مكارم أخلاقه وحرصه على صلة أرحامه.

ذكر لي أخي أحمد رحمه الله أنه في يوم من الأيام كان الوالد مدعوا على قهوة بعد صلاة العشاء، وكان أخي مرافقًا له في ذلك اليوم، وبعد انتهاء المجلس يقول الأخ أحمد: خرجت مع الوالد قاصدين بيتنا، وكان مطر شديد قد نال من الطرق فتزلقت، وانتشر ظلام الليل مما جعل السير صعبا فيه من الخطورة ما فيه، وأثناء سيرنا شاهدت بعيدا أحد كبار الجماعة يسير أمامنا من مسافة خمسين مترا تقريبًا، وبعد دقائق زلت قدم الرجل فسقط في الطين، ثم قام سريعًا ولم يصب بأذى، ولكن ابتلت ثيابه واتسخت بالطين بصورة يخجل الرجل منها، فالتفت يمينا وشمالًا لعل أحدا لم يره، وهذا الرجل لا يدري أننا نسير خلفه.

فقلت للوالد: هذا فلان قدامنا وذكرت له ما حدث له، وكنا قريبين من مفرق طرق، فقال الوالد: خلنا (دعنا) نذهب من الطريق الثاني حتى لا يشوفنا (يشاهدنا) ، وحتى لا يخجل إذا علم أننا شاهدناه في ذلك الموقف فيحرج مما أصابه من الزلق في الطين. وكان الطريق الثاني الذي سلكناه يُبعدُنا عن بيت الوالد بمسافة ليست بالقصيرة لكنه آثر ذلك الطريق مراعاة لشعور ذلك الرجل، وهذا من حسن تقديره ومراعاته لنفوس الناس والبعد عن إحراجهم في جميع المواقف.

يحرص الوالد رحمه الله في معاملته وعلاقته مع الناس ومع جماعته وأصدقائه كما ذكرنا إلى عدم إحراجهم أو جعلهم في موقف الضعيف مقابل القوي، خاصة ممن يلحظ منهم شيئا قد ينكره؛ لأنه يرى أن القدوة والعلاقات الإنسانية الجيدة أبلغ في التغيير والإصلاح من القسوة والعنف والتسلط.

وأذكر أنه كان لي صديق، وهو صديق للوالد أيضا يعزه ويقدره، ولكن هذا الصديق ابتلي بشرب الدخان، لكنه كان يمتنع من التدخين أمام الوالد أو في حضوره وكذلك مع من يقدرهم من كبار السن أو المشايخ وطلبة العلم، إكبارا وإجلالا، وكان لا يحب أن يُشم منه رائحة الدخان، ويستحيي ممن يقابله أثناء شربه الدخان، فقد كان يعرف أنه مبتلى ولكنه لا يقدر على تركه، ومن عادة هذا الصديق أنه إذا قابل الوالد في السوق (الطريق) يقفان فترة من خمس إلى عشر دقائق يتحدثان ويتجاذبان أطراف الحديث، وكان من عادة الوالد رحمه الله قبل صلاة المغرب أنه يذهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت