الله وبيت الداعي طويلة، وكنت أسولف (أتحدث) مع أبو عبود، ثم ذكرت له من عرض حديثي له الرؤيا التي رأيتها، وقصصتها عليه كما رأيتها، والوالد والجماعة قدامنا لا يسمعون حديثنا، وأبو عبود منصت لا يتكلم وهو متعجب من كلامي، وبعدما انتهيت من كلامي له ركض رحمه الله وهو ينادي ويقول: يا شيخ ... يا شيخ ... يا شيخ ... ونحن بالطريق إلى بيت الداعي، فوقف الوالد يرحمه الله، ثم قال أبو عبود للوالد: سمعت رؤيا محمد؟ فقال الوالد: خير إن شاء الله. فقصصت الرؤيا على الوالد وهو منصت والجماعة يسمعون كلامي، فلما انتهيت قال الوالد: خير يكون وشر يهون، يا ولدي إذا صدقت رؤياك فأنا إن شاء الله افتكيت من القضاء. وفعلًا بعد ثلاث ساعات من هذا الموقف جاء وبواسطة عبد الله المحمد العوهلي وهو شريك للأخ عبد الله في تجارته ثلاث برقيات؛ برقيه من عبد الله العبد الرحمن القاضي، والأخرى من عبد العزيز الصالح الحماد، وكان يشتغل بالديوان الملكي، والثالثة من عبد العزيز العوهلي، وقد عُرف من البرقيات المرسلة من الرياض إلى عنيزة أنه تم تعيين شخص آخر غير الوالد قاضيًا في عنيزة، وقال الملك عبد العزيز رحمه الله: اتركوا ابن سعدي. وكانت البرقيات التي وصلت للوالد لا تحمل التصريح بذلك، بل كانت تحمل في طياتها التلميح، وكانت على شكل اللغز، وفيها يبشرون بأن الوالد قد خرج من المستشفى، وأما برقية عبد العزيز العوهلي ففيها التصريح بأن الوالد قد افتك من القضاء. المهم أنه لم يأت وقت صلاة الظهر إلا وقد وصلت جميع البرقيات، فاستأنس الوالد بها، وفرح أشد الفرح في ذلك اليوم، وخف ما به من ضغط وألم. وكان رحمه الله مترددا في الرجوع إلى عنيزة خوفًا من تولي القضاء، لكن بعد سماعه الأخبار المفرحة وأن الله قد أبعده عن القضاء قرر الرجوع إلى عنيزة في أقرب وقت، والحمد لله رب العالمين.
لما كان الوالد بمكة المكرمة دعاه الوزير ابن سليمان إلى وليمة عشاء، وقد حضر عدد من أهل عنيزة منهم حمد الروق رحمه الله. ولما جلس الناس يتعشون، وكان يجلس بجانب الوالد رحمه الله حمد الروق، وكان الوالد يحب الأكل الحار وخصوصًا الحبحر (الفلفل الأحمر) وحمد الروق عكس ذلك، فهو لا يأكل الطعام الحار، فإذا صار في الأكل حبحر (الفلفل الأحمر) ترك الأكل منه وعافه، لكن صادف في ذلك اليوم أن الداعي قد وضع زلطة (سلطة) و قد أكثر فيها الحبحر الحار.