فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 88

وكان يتحين الفرص لنصح من يشرب الدخان، فمنهم من عصمه الله، ومنهم مَن صابر وقلّل منه، ومنهم من كان يستتر عن الناس، والله الهادي لسواء السبيل.

كان قريبا من بيتنا بالحويطة بيت لسليمان الستيد، وكان فيه بنّاءون يبنون البيوت والحيطان، ومن عادة البنائين أنهم يغنون ويرفعون صوتهم بالغناء من أجل أن ذلك ينشطهم على العمل.

وفي يوم من الأيام كان الوالد يمشي إلى جوارهم وأنا معه، وكانوا يغنون، ولما قربنا منهم سمعنا رجلًا منهم يقول لربعه: اسكتوا ترى الشيخ جاء.

وفعلًا كان الوالد يسمعهم، لكن الوالد وقف عليهم وسلم عليهم ودعا لهم وقال لهم: الله يقويكم ويعافيكم، وراكم ما تغنون وراكم سكتو عن الغناء (وكان الغناء بأشعار ليست ماجنة وبعضها شعر حربي) ترى الغناء ينشطكم ويقضي عليكم الوقت والله يساعدكم. فاستغرب البناية من كلام الوالد وتعجبوا من موقفه هذا، فشكروه وبدأ الرجال يغنون بعدما غاب عنهم الشيخ.

في جمادى الأولى سنة 1366 هـ تقريبًا مرت على الوالد أزمة قوية أثرت على نفسه وعلى صحته، وحاصل هذه الأزمة هو وصول خبر للوالد بأنه سوف يعين قاضيًا شرعيًّا في عنيزة، وهذا الأمر لا يرغبه ولا يريده وكان يدافعه بكل الوسائل مهما كلفه هذا من أمر؛ لعلمه بعظم الأمر الذي سوف يصير إليه، فسافر الوالد إلى مكة المكرمة، وحرص الوالد بكتمان موعد سفره عن أهل عنيزة، وكان من عادته رحمه الله أن يكلف حمد الجبهان رحمه الله -وهو دلال السيارات- بالحجز للسفر إلى مكة في أقرب سيارة متوجهة إلى الديار المقدسة، لكن الوالد أرسل تلك الأيام إلى الحرابي -وهو صاحب سيارة- وقال له: سوف أذهب معك صباحًا إلى مكة. فكان بصحبته الحرابي وصالح العبدلي وعبد الرحمن العبد العزيز البسام، فلما علم حمد الجبهان بسفر الوالد حزن أشد الحزن و (شره) على الوالد لمحبته له واستنكاره تصرفه رحمهم الله جميعا، فطلب حمد من الشيخ عبد العزيز العقيل أن ينظم له قصيدة على لسانه يعاتب فيها على الوالد رحمه الله وعلى سفره دون علمه، وكان هذا بمشورة الشيخ إبراهيم الغرير رحمه الله. وفعلًا نظم الشيخ عبد العزيز قصيدة قال فيها:

سلاما على من سار عنا بخفية ... وقد كنت لا تخفى علي المواتر

شرهت عليه حيث دار بظنه ... بأني لو أُخبرتُ بالسر ناشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت