وحاشا وكلا أن أبوح بسره ... إذا قال لي لا يشعر الدهرَ شاعر
هنيئا صحيحا رفقة كنتَ فيهمُ ... لقد كسبوا حظا بتلك المفاخر!
علوما وآدابا وتكميل عمرة ... بوقت اعتدال كان بالذكر عامر
ولكن دروس العلم تقفل بعدكم ... وتهجر هاتيك الربوع العوامر
عسى سيدي ألا تطيل بشدة ... على بلدة كانت إليكم تناظر
الشاهد من ذلك أنني كنت مع الوالد تلك السنة في مكة المكرمة وفي بيت الأخ عبد الله رحمه الله، وكان عندنا بالبيت أبو عبود صالح العباد (خوي الوالد) ومحمد المنصور الزامل، وفي تلك الأيام زاد على الوالد الضغط من أثر الأزمة وزيادة التفكير بموضوع القضاء، وضاق صدره خوفا من استلام المهمة في عنيزة.
يقول رحمه الله: كل أهل عنيزة هم أحبابي ومعارفي وجماعتي، فإذا أصبحت قاضيا عندهم صار نصفهم أصدقاء والنصف الباقي أعداء.
ويقول أيضا: إن هذا الأمر لا يمكن أن يحدث بإذن الله.
والوالد لا يحب ولا يرغب أن يصير في القضاء تورعا وخوفا من الظلم، ويرى أمر القضاء مسؤولية عظيمة لا يقدر على تحملها، واشتد الأمر عليه لما سمع أن الملك عبد العزيز رحمه الله في عنيزة تلك الأيام، وأنه قال للأمير: نفكر أن نجعل ابن سعدي قاضيا لكم يا أهل عنيزة.
وتكدر الوالد كدرا شديدا وعظيما، ومن شدة ما يجيه (ما يأتيه) يغمى عليه في بعض الأوقات، وكان يتألم ويأخذ جزءا كبيرا من تفكيره، وقد لا يشتهي الأكل في كثير من المرات، خاصة إذا جاء على خاطره وفكره هذه الأخبار، وكل هذه الأمور السابقة من التعب والإجهاد النفسي حدثت له، مع إنه لم يُبلَّغ رسميا.
ومن باب الاستطراد يذكر أن أحدا من المشايخ من أهل عنيزة لما بلغه قرار تعيينه قاضيا فيها مرض مرضًا شديدًا حتى لازم الفراش، وانقطع عن صلاة الجماعة من أجل ذلك حتى فرج الله عنه، وأُعفي منه، وشُفي من مرضه.
والوالد كان عنده أمل وثقة بأن الله سوف يلطف به، ويفكه من القضاء، وكان رحمه الله في آخر الليل وقبل صلاة الفجر يذهب هو وأبو عبود، ومحمد المنصور الزامل، والأخ عبد الله؛ إلى