عبد الله القرعاوي: إن جلوس الشيخ عندي وفي مجلسي ذلك اليوم أذهب ما في نفسي من حزن وغم، فلا أنسى للشيخ هذا الموقف الكريم.
فهكذا تكون الحياة الاجتماعية الفاضلة في أبسط صورها، وهكذا يكون التواصل العميق دون تكلف ورياء.
للوالد مواقف اجتماعية مشرقة أحس بها البعيد قبل القريب فهو رحمه الله لا يترك فرصة للخير إلا كان حريصًا على اقتناصها مهما كان، فقد ذكرت لي إحدى زوجات أبناء الوالد رحمه الله أنها ذهبت تزور زميلة لها في عنيزة، وهي ابنة لإحدى قريباتها، فلما وصلت إليها وجدتها في حالة عسر ولادة وقد شارفت على الموت من شدة الألم، وقد مر عليها ساعات طوال وهي على هذه الحالة، فرجعت مسرعة إلى الوالد -وكان في مجلس التأليف والمطالعة- فذكرت له قصة صديقتها التي زارتها وما تجده من ألم الوضع وأنها بحاجة إلى مساعدة. فقام رحمه الله من مجلسه وترك ما في يده وأخذ فنجانا قريبا منه وقرأ فيه ما تيسر من الورد المأثور، وأمرها بأن تذهب به إلى صديقتها وتسقيها منه، تقول: فرجعت مسرعة إلى بيت صديقتي ولما دخلت عليها في غرفتها يسر الله لها بالفرج وولدت مولودها بأتم صحة، ولما سأل الوالد عنها أخبرته بما جرى، فسُرّ بذلك وحمد الله وأثنى عليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
عندما بدأ استخدام المكبرات الصوتية في خطب الجمعة والعيدين كان في طليعة المستخدمين لها والذين عدوها نعمة من نعم الله الشيخ الوالد عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، وقد أنكر عليه هذه الوسيلة بعض الناس، ولكنه رحمه الله لم يتراجع بل استطاع بحكمته وعلمه إقناعهم بفائدة جهاز تكبير الصوت.
وقد عجبت له لما أتاه رجل وكان يلبس نظارة على عينيه ينكر هذه الوسيلة وأنها مبتدعة وأنهم لم يجدوا عليها آباءهم، وأنها من صنع غير المسلمين ولا حاجة لنا بها.
فقام رحمه الله فخلع النظارة من عيني الرجل وسأله: هل ترى بوضوح؟ فقال له الرجل: لا يا شيخ. فأعادها إلى عينيه مرة أخرى فقال له: والآن؟ قال الرجل: الآن أفضل وأشوف زين. فقال له الشيخ: يا أخي أنت تعرف بأن النظارة تقرب البعيد، وتزيد العين إبصارًا، فكذلك مكبر الصوت يقرب الصوت للبعيد، فيسمعه من في آخر المسجد ومن هو خارجه فيستفيد القريب والبعيد،