إلى مكان يقال له: الشمالي، وهو نخل يتوضأ فيه ويغتسل، ويرجع من طريق آخر صاد (منعزل) من أجل ألا يتأخر عن صلاة المغرب، وهذا الطريق لا يتوقع كثير من الناس أن الشيخ يمر منه، وفي يوم من الأيام كعادته رحمه الله رجع من هذا الطريق وفي مكان ضيق منه شاهد هذا الرجل الذي ذكرناه قادم من الجهة المقابلة في الطريق نفسه وهو يدخن والسيجارة في يده، فلما شاهد هذا الرجل الوالد وهو لم يكن يتوقع أو يظن أنه سوف يقابله في هذا الطريق، فوضع سريعا شماغه على فمه (تَلَطَّم) من أجل ألا يعرفه الوالد فيوقفه كعادته للحديث معه، وبالفعل مر هذا الرجل من عنده مسرعا ولم يسلم عليه.
وقد ذكر لي هذا الصديق هذا الموقف، فقال: إنه خجل من الوالد خجلًا عظيما، وقال: لا أشك أن الشيخ عبد الرحمن شاهدني وعرفني، ولكنه رحمه الله لم يرد أن يحرجني. وأقول: إن الشيخ الوالد لم يذكر لي شيئا عن هذه الحادثة مع علمه بحاله وبأنه من أصدقائي، لكنه أراد رحمه الله حفظ أسرار الناس وعدم فضحهم لعل الله يهديهم إلى الطريق المستقيم.
روى لي الأخ عبد الرحمن السليمان العبد الرحمن البسام قصة عجيبة فقال: كنت ذاهبًا إلى صلاة الظهر وأنا صغير السن في يوم مطير (ديم) وبرد قارس من أيام مدينة عنيزة، ولما اقتربت من الجامع شاهدت أمامي الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله وقد توقف المطر وطلعت الشمس، وجماعة المسجد قد صعدوا إلى الطاية (السطح) وهي في مؤخرة المسجد من أجل تلمس دفء الشمس، ولم يلحظني الشيخ ولم ينتبه لي لصغر سني، فصعد الشيخ للسطح من أجل إمامة الناس بالصلاة الحاضرة، وأثناء ظهوره رحمه الله إلى السطح شاهد أحد فقراء البلد مقصعر (جامع بدنه بيديه ويرتجف من شدة البرد) ، وكانت ثيابه التي عليه مبللة من أثر المطر، فتأثر الشيخ من هذا المنظر وحزن لذلك، فنزل رحمه الله درجات بعيدًا عن أعين الجماعة وخلع بشته (العباءة) .
وكان من عادته رحمه الله أنه يلبس ثوبين أيام الشتاء فخلع ثوبه العلوي بسرعة وقام بلفه وجمعه ثم لبس البشت (العباءة) مرة أخرى وهو يتلفت لعل أحدا لم يره، فصعد الدرج مرة أخرى وقابل الفقير وأعطاه الثوب الذي بيده، ففرح الرجل به أشد الفرح، وصلى بالجماعة ولم يلحظه أحد منهم إلا أنا! فتعجبت منه ومن أخلاقه العالية، كما تأثرت بهذا الموقف ولا زال هذا الحدث متمثلا أمام ناظري كأنه كان بالأمسِ القريب!