وإذا كان الداعي ممن يُشكُّ في شربه للدخان يعمد رحمه الله إلى عدم إحراجهم أو كشف سترهم، فيطرق عليهم الباب ويناديهم بصوته المسموع أو يجعل زميله أبو عبود يدخل قبله يستأذن له ليعلم أهل البيت بأن الشيخ عند الباب.
فكان لمثل هذه المواقف الأثر البالغ عليهم وعلى تركهم للمنكرات، مع العلم بأن الوالد قد أفرد رسالة لطيفة بتحريم شرب الدخان، ويعرف الناس رأي الشيخ فيه، لكن كانت له حكمة في الإنكار من حيث الزمان والمكان توصل إلى المقصود وكانت لديه مبادئ في الحكم على الأشياء من حيث الحل والحرمة ومبدأ"حتى يسمع منك الآخر يجب أن تقترب منه".
أحببت ذكر هذه الموقف لما قرأت في بعض المجلات المحلية قصة ذكرها أحد الكتاب غفر الله له على غير وجهها الحقيقي؛ وقد ذكر الكاتب بأن الوالد تضطره الظروف في بعض السنين إلى بيع بعض حاجاته المنزلية، وشاهده في ذلك بعض الوقائع، وهي على غير ما تصور الكاتب.
وأقول بيانًا لحقيقة ذلك: إن الوالد يصله من بعض أملاك أجداده نصيبه من الورث، وهو عبارة عن كميات من التمر تجلب إلى منزله رحمه الله، وهي تسد حاجة البيت في بعض السنين، وفي بعضها تزيد عن الحاجة، فلما يحول عليها الحول يضع التمر الزائد عن الحاجة في مواعين صغيرة (طاسات) ، ويأمرني بالذهاب بها إلى السوق لبيعها، أو إلى أحد الدلالين؛ أمثال الشبيلي أو الطريف في ذلك الوقت، وأستلم الثمن منهم وأرجع به وبالمواعين إلى المنزل، فمن شاهد الواقعة ظن أن الوالد يبيع أغراض بيته! وهذا غير صحيح، فلم يضطر يوما لفعل ذلك.
لما كان الناس منذ ستين سنة في شدة وضعف وقلة ذات اليد، حتى إن الأسرة التي تمتلك بقرة تعتبر عائلة غنية أو ميسورة الحال من وجهة نظرهم، ومع ذلك فقد كان رحمه الله يتورع عن أخذ الأعطيات والأوقاف والرواتب المخصصة لإمامة الجامع الكبير بعنيزة، وكانت تقدر بأكثر من 500 وزنة من التمر، فأشار عليه أصدقاؤه ومستشاروه، ومنهم عبد العزيز المحمد العوهلي رحمه الله بأخذ المخصص لإمامة الجامع وعدم تركه، وأن يكون التصرف به عن طريقهم لأعمال البر والخير، فتردد قليلًا رحمه الله، ثم استأنس برأيهم ووافقهم على ذلك، فكانوا يأخذونه وينفقونه في أعمال البر بمشورته وإشرافه.